Sunday 29 Jan 2023 |
AFED2022
 
AFEDAnnualReports
Environment and development AL-BIA WAL-TANMIA Leading Arabic Environment Magazine
المجلة البيئية العربية الاولى
 
 
كتاب الطبيعة
 
رحلة في الوادي المقدس  
تشرين الثاني (نوفمبر) 2004 / عدد 80
 ادمون صعب
هالتنا حال الوادي، الذي اعتبر محمية طبيعية ممنوع فيها أي بناء جديد. فمن تبقّى من أهله، الذين تحدوا عبر الزمان شظف العيش وقساوة الحياة في المنحدرات الحادة، باتوا يشبهون الاجناس المنقرضة أو التي هي في طريق الانقراض.
هذه المنطقة الرائعة وصفها الأديب الفرنسي ارنست رونان بـ"الطبيعة الفريدة الخلابة التي تنجلي رويداً رويداً على تلك المرتفعات لتشرح كيف أن الانسان أعطي جل الامكانات لمختلف أنواع الأحلام في هذا العالم الرائع". وقال الشاعر الفرنيس ألفونس دولامارتين بعد زيارته قاديشا: "لم تترك أي جبال أخرى في نفسي هذا الانطباع... انها خليط من جمالية الخطوط وعظمة القمم ورقة التفاصيل وتنوع الألوان". أما الباحث البيئي الدكتور ريكاردوس الهبر فعدد أسباباً ايكولوجية ثلاثة تحتم الحماية الطارئة لمنطقة قاديشا هي: كثافة المواطن الطبيعية نتيجة للتنوع الكبير في التكوين الجيولوجي والمناخي والترابي، والتنوع الطبيعي من خلال آلاف أنواع النباتات والحيوانات، وتشابك هذا الخليط والنظم الطبيعية في منطقة واحدة، من جبال متعددة الارتفاعات الى أودية وأنهر وأحواض مائية.
وادي قاديشا هو، حتى اليوم على لائحة الأونيسكو كمركز للتراث العالمي. ومع تأييدنا الكامل لضرورة الحفاظ على هذا الموقع الفريد وحمايته، فان هذا لن ينجح ما لم تشمل برامج الرعاية دعم السكان المحليين وتعزيز ظروف حياتهم، لأنهم الحراس الحقيقيون للتراث.
وادي قنّوبين كما شاهدناه وخبرنا الطريق اليه، هو عنوان الاهمال الرسمي والقسوة العمياء بحجة المحافظة على البيئة.
ليس جميع الذين يقصدون الوادي المقدس هم من أنصار الطبيعة وهواة المشي والتسلق. فثمة من تنقلهم الى مطاعم الوادي ومقاهيه اوتوبيسات صغيرة تابعة لهذه المطاعم، من النوع "المصفّح" الذي لا تؤثر فيه الخنادق "الاثرية" التي حفرها اهمال الدولة في الطريق الضيقة ذات المنعطفات الحادة المفتوحة على منزلقات تؤدي الى قعر الوادي الذي ينساب فيه نهر قاديشا.
الطريق من حدث الجبة على ارتفاع 1400 متر عن سطح البحر الى مستوى 800 متر سمفونية "هزات ورعبات". وقد شفع بنا نزولاً وجود سيدة في الاوتوبيس حامل في شهرها الثامن، مما اضطر السائق الى نزول الخنادق والصعود منها بالحد الادنى من "الخضخضة"، بعدما أبلغته انها وزوجها قد يعودان ثلاثة من الرحلة.
المحطة كانت مطعم "أبو جوزف" الذي أنشأ له صديقنا الدكتور الياس صعب، رئيس قسم الرياضيات في جامعة ميسوري الاميركية، موقعاً على الانترنت يدل الناس من أنحاء العالم الى مكانه وطريقة الوصول اليه والطعام "الطبيعي" الذي يقدمه في واد مقدس ساحر! وهو كان في استقبالنا حافي القدمين، اذ انه يرتاد المكان سنوياً "لأنه يطيل العمر". والدكتور الياس طالب سابق في كلية العلوم في الجامعة اللبنانية، أوصله نبوغه الرياضي الى جامعة ميسوري، ووظيفته فيها اجتذاب النوابغ في الرياضيات من أنحاء العالم الى الجامعة لتحضير الدكتوراه، وتقديم منح اليهم، وربما إبقاؤهم في الولايات المتحدة باعتبارهم نوابغ. ولديه الآن لبنانيتان من الجامعة اللبنانية تحضران الدكتوراه وتدرِّسان في جامعة ميسوري.
من ميسوري الى وادي قنوبين رحلة عودة الى الجذور.
أهل الوادي المنسيّون
أبو جوزف يريد بناء غرف فوق مطعمه، لكن وزارة البيئة ومديرية الآثار تمنعان البناء للمحافظة على الطابع التراثي للعمار في الوادي. قال: "ماذا أفعل بأولادي؟ لا أريدهم أن يتركوني ويذهبوا الى بيروت، ولا أن يهاجروا الى اوستراليا وكندا وجنوب افريقيا حيث معظم مغتربي حدث الجبة. لقد منعوني من البناء لايواء أبنائي، بينما الخنازير البرية التي أفلتت في الوادي تسرح وتمرح وتأكل الأخضر واليابس". وأضاف: "هذه المشكلة يعانيها كثيرون في الوادي، اذ يكاد سكانه ينقرضون مثل الأجناس التي يتحدث عنها الاعلام يومياً بفعل العمران المتوحش".
ودلنا على منازل في الجهة الأخرى من الوادي كان يطل أناس من نوافذها السنة الماضية، أما هذه السنة فلا تلاحظ أي حركة. فإما قضى من فيها، في الغالب عجوزان، أو حضر من نقلهما على ظهور الحمير ثلاث ساعات في الوعر الى حدث الجبة حيث تتوافر العناية بهما.
في طريق العودة تبرع كاهن وادي قنوبين وحدث الجبة الاب حبيب صعب، شقيق الياس، لنقلنا من الوادي صعوداً الى حدث الجبة. ولدى هذا الكاهن العالم و"القبضاي" سيارة ـ دبابة، لاند روفر قديمة محركها على المازوت. كانت تهبط الخنادق و"تتعمشق" على الصخور العالية برعاية إلهية، بوحي من القول: "يا سائرة بقدرة مولاك سيري فعين الله ترعاك". وكنا نتنفس الصعداء، زوجتي وأنا، كلما خرجنا من خندق سالمين أو عبرنا منعطفاً شديد الانحدار.
الخوري حبيب يطالب بالمحافظة على التراث والطبيعة والناس معاً. يقول ان المنازل المعلقة في الصخور يجب أن تصان ويُحافظ على أهلها كمحطات راحة لهواة المشي، يجدون فيها الضيافة الاصيلة والمأكل الجبلي اللبناني الطبيعي. وربما يبيت هؤلاء الهواة فيها اذا شاؤوا، شرط أن يرافقهم حراس للاحراج ومتطوعون أهليون كأدلاء وخبراء في الطرق التي يسمح بأن يسلكوها. وأشار الى قفص حديد في جانب الطريق قائلاً: "هذا القفص هو على طرف سكة تشبه سكة التلفريك، وهو مربوط بكابل من فولاذ مدّه شاب من أجل والديه العجوزين اللذين يقيمان في الجانب الآخر من الوادي ويرفضان مغادرة منزلهما. وهو يضع لهما حاجاتهما في القفص ثم يدير محركاً، فيتحرك القفص في الهواء نحو المنزل. وغالباً ما يعود بأشياء تحتاج الى اصلاح، الى جانب خضر وفاكهة وحليب وجبنة وقريشة وبيض بلدي من انتاج الدار، ترافقها أحياناً حشائش وأعشاب طبية. فماذا نفعل بأمثال هذين الشيخين؟ هل نتركهما يموتان هناك؟"
ثم دلنا على المغاور التي لجأ اليها الرهبان الموارنة من جور المماليك في القرن الرابع عشر الميلادي، مشيراً الى منازل كان يتوقف فيها هواة المشي قبل سنوات وقد فرغت من أهلها الذين "انقرضوا"، مطالباً بجعل المحافظة على البشر تُجاري المحافظة على الشجر"!
لا يمكن حماية الطبيعة بالاهمال. فهل يتوصل القيمون على البيئة الى تطوير برامج متوازنة تحمي البيئة عن طريق اعطائها أهمية اقتصادية؟
كادر
الاخضر يختلط مع ألوان الصخور وخيوط الشمس الذهبية، فتضفي على المكان روعة لا توصف. بيوت متواضعة على التلال والمنحنيات، مغمورة بالاشجار والالوان، تحسد أصحابها للوهلة الاولى، ولكن بعد معرفة سبل الوصول اليها تقول إن ساكنيها هم من الجبابرة. وتتأكد من ذلك عندما ترى الصخور وقد تفتت لتصبح جلولاً وأرضاً صالحة للزراعة تمتد من أعلى الأجراف الى أسفل الوادي، حيث يمر نهر قاديشا في خانق ضيق لا يتسع الا لمجرى المياه. فتتعجب من عظمة هؤلاء الذين بفضلهم أصبح وادي قنوبين من التراث العالمي. فتراث قنوبين هو شعب حي عاش في الوادي وحافظ عليه مئات السنين، وقدمه اليوم الى العالم حضارة تنبض بالحياة. السؤال الذي يطرح نفسه: ألا يحق لهذا الشعب العظيم التقدير والمساعدة بمقدار ما نهتم بالصخور والاشجار، ليبقى ساهراً على هذا الوادي ويقدم تراثاً حياً، لا حضارة مندثرة ومجرد آثار من الماضي؟
الخوري حبيب صعب
كاهن رعية قنوبين
وادي قنوبين
منظر عام لوادي قاديشا من مرتفعات ظهر القضيب وتظهر بلدتا بشري وحدشيت وبلدات بقرقاشا وبزعون وحصرون والديمان وحدث الجبة
زيتون وبستان فواكه وبيت وأشجار برية في تألف ألوان
من سكان الوادي
باقون من سكان الوادي
دير في حمى الصخر ومدرجات زراعية عمرها مئات السنين
جرف فوق نهر قاديشا
 
 
 
 

اضف تعليق
*الاسم الكامل  
*التعليق  
CAPTCHA IMAGE
*أدخل الرمز  
   
 
بندر الأخضر صديق البيئة
(المجموعة الكاملة)
البيئة والتنمية
 
اسأل خبيرا
بوغوص غوكاسيان
تحويل النفايات العضوية إلى سماد - كومبوست
كيف تكون صديقا للبيئة
مقاطع مصورة
 
احدث المنشورات
البيئة العربية 9: التنمية المستدامة - تقرير أفد 2016
 
ان جميع مقالات ونصوص "البيئة والتنمية" تخضع لرخصة الحقوق الفكرية الخاصة بـ "المنشورات التقنية". يتوجب نسب المقال الى "البيئة والتنمية" . يحظر استخدام النصوص لأية غايات تجارية . يُحظر القيام بأي تعديل أو تحوير أو تغيير في النص الأصلي. لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر يرجى الاتصال بادارة المجلة
©. All rights reserved, Al-Bia Wal-Tanmia and Technical Publications. Proper reference should appear with any contents used or quoted. No parts of the contents may be reproduced in any form by any electronic or mechanical means without permission. Use for commercial purposes should be licensed.