Monday 24 Jan 2022 |
AE2022
 
KFAS Sukleen-Averda
Environment and development AL-BIA WAL-TANMIA Leading Arabic Environment Magazine
المجلة البيئية العربية الاولى
 
 
مقالات
 
بيروت ـ «البيئة والتنمية» الصراع على أعالي نهر الأردن  
أيار/مايو 2012 / عدد 170
يعاني قطاع المياه في البلدان العربية من ضغوط متعددة. فالمنطقة العربية تأتي في المرتبة الأخيرة من حيث توافر المياه العذبة المتجددة للفرد مقارنة بالمناطق الأخرى في العالم. وهناك حالياً 13 بلداً عربياً هي من البلدان التسعة عشر الأكثر شحاً بالمياه في العالم. وتوافر المياه للفرد في 8 بلدان عربية هو أدنى من 200 متر مكعب في السنة. ومن المتوقع أن يكون معدل التوافر السنوي للمياه العذبة في البلدان العربية كمجموعة بحلول سنة 2015 أدنى من 500 متر مكعب للفرد، ما يشير الى حدة الشح المائي. وبحلول سنة 2025، من المتوقع أن يكون السودان والعراق وحدهما فوق مستوى الشح المائي. وفي بعض البلدان العربية، تجاوزت السحوبات المائية الاجمالية قدرة الموارد المائية المتجددة المتوافرة. والواقع أن موارد المياه العذبة المتجددة الداخلية للفرد في معظم البلدان العربية هي أدنى كثيراً من مستوى الشح المائي البالغ 1000 متر مكعب، بالمقارنة مع معدل عالمي يتجاوز 6000 متر مكعب. وهناك أكثر من 45 مليون شخص في العالم العربي ما زالوا يفتقرون لمياه نظيفة أو خدمات صحية مأمونة. والنمو السكاني خلال العقدين المقبلين، الذي سيحدث 90 في المئة منه في مناطق مُدنية، سوف يزيد الضغط السياسي لتلبية هذه الطلبات خصوصاً للاستعمال المنزلي والصناعي.
لكن الميزانيات الحكومية مقيدة أصلاً وبالكاد تستطيع تحمل تقديم مستويات من الخدمات المائية الكفوءة للسكان الحاليين، الذين يزدادون بنسبة 2 الى 3 في المئة سنوياً. معظم هذه الزيادة يضيف ضغطاً على المدن والبلدات المزدحمة والتي تحصل على خدمات غير كافية أصلاً. ومن شأن الخطط الطموحة لتحقيق نمو اقتصادي سريع وزيادة وتيرة التصنيع أن تزيد النواقص المائية حدّة.
ولأن الموارد المائية المتجددة لا يمكن أن تلبي الطلب المتنامي، شجعت الحكومات في أحوال كثيرة الاستغلال المفرط للموارد المائية الجوفية. فعلى سبيل المثال، بلغ معدل الاستخراج السنوي من المياه الجوفية في جميع الأحواض الفرعية في الأردن نحو 160 في المئة من معدل التجدد السنوي. وفي اليمن، يتم ضخ المياه الجوفية بمعدل يزيد أربع مرات عن التجدد الطبيعي، ما يدفع المزارعين الى ترك الوديان التي كانت منتجة في ما مضى. والاستخراج المفرط للمياه الجوفية الذي يتجاوز مستويات الانتاج المأمون لم يتسبب فقط بانخفاضات دراماتيكية في منسوب المياه الجوفية، وإنما أيضاً بتلوث خزانات المياه الجوفية في المناطق الساحلية بمياه البحر المالحة. وتقوم بعض البلدان بتوسيع الاستثمار في تحلية مياه البحر وفي معالجة المياه المبتذلة واعادة استعمالها. لكن معالجة المياه المبتذلة بشكل مناسب واعادة استعمالها المراقب ما زالا يشكلان مصدر قلق كبير يعرض الصحة العامة والبيئة لمخاطر جدية.
للمياه العابرة للحدود أهمية قصوى، إذ تعتمد غالبية الدول العربية لتأمين امداداتها المائية على أنهار وخزانات جوفية تتقاسمها مع بلدان مجاورة. ومن جميع الموارد المائية المتجددة في البلدان العربية، ينبع الثلثان من مصادر خارج المنطقة. ومع ذلك لا توجد في المنطقة اتفاقية رسمية واحدة تتعلق بالادارة الجماعية للموارد المائية المشتركة. وقد صادقت سبع دول عربية فقط على اتفاقية الأمم المتحدة حول قانون الاستعمالات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية، التي تصنف المبادئ الرئيسية لقانون المياه الدولي وغالباً ما تستعمل لعقد اتفاقيات مشتركة تتعلق بادارة المياه وتقاسمها.
ويدعو التقرير حول المياه، الذي أصدره المنتدى العربي للبيئة والتنمية عام 2010، إلى أن تسعى البلدان العربية لعقد اتفاقيات تعاونية على أساس مبادئ اتفاقية الأمم المتحدة حول قانون الاستعمالات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية. ومن الحكمة تجاوز تقاسم المعلومات والاستشارات الأساسية واتخاذ خطوات جريئة لتحديد صيغة مستدامة لتقاسم المياه، توجهها مبادئ قانونية لاستعمال عادل ومعقول، والالتزام بعدم التسبب بأذى، بدلاً من الاعتماد على اختلال توازنات القوى الحالية. وعلى البلدان العربية التي ليست أطرافاً في اتفاقية الأمم المتحدة المذكورة ان توقع الاتفاقية وتصادق عليها.
 
حرب على المياه
«الأسس الهيدروسياسية للحوض الأعلى لنهر الأردن» عنوان دراسة أعدها مركز أبحاث الأمن المائي في جامعة إيست أنغليا البريطانية. توخَّت الدراسة وضع قاعدة قد يعتمد عليها في المستقبل أي تحليل للنزاع على نهر الأردن، وذلك من خلال التحقيق في السياسات المائية لروافد النهر العليا. فهي تستعرض سجلّ استخدام التدفقات العابرة للحدود وتوزيعها، وتظهر الإجحاف الحاصل، كما تستقصي كيفية حصول التوزيع غير المتماثل للمياه واستمراره.
وبفضل إلمام فريق البحث باللغات العربية والعبرية والفرنسية والإنكليزية، تمكّن من الولوج إلى بيانات لم يتم التدقيق فيها سابقاً أو أجري عليها تحقيق ناقص. وقد أدى ذلك إلى اكتشاف ملفّات ومحفوظات لدى أرشيف السلطتين الفرنسية والبريطانية إبان انتدابهما للبنان وسورية وفلسطين، كما أدى إلى المقارنة بين بيانات تدفقات النهر على الجانبين اللبناني والإسرائلي، وإلى استقاء معطيات من الصحف اللبنانية والإسرائيلية، فضلاً عن تقارير لم تنشرها السلطات على جانبي الجزء العلوي من حوض نهر الأردن.
يؤكد التقرير من خلال دراسة مفصّلة لأحواض الروافد العليا لنهر الأردن، وهي الحاصباني واللدان وبانياس، على أن كلاً من هذه الأحواض ومنطقة تغذيتها هي دولية. وتظهر قياسات كمية التدفقات عند نقطة التقاء الروافد في الحوض العلوي على مدى ستة عقود أن نهر اللدان هو الأكثر صبًّا (نحو ٢٤٠ مليون متر مكعب سنوياً) والأكثر استقراراً بين الروافد الثلاثة العليا لنهر الأردن. وتعتبر قوة تدفقات نهري الحاصباني وبانياس نصف تدفقات اللدان، وتختلف كمياتها بشكل كبير على مدار السنة. وتتدفق معظم مياه الروافد من ينابيع تغذيها مياه جوفية عابرة للحدود، آتية من أمطار وثلوج الجولان السوري الذي تحتلّه إسرائيل أو من منحدرات جبل حرمون (الشيخ). وقدّرت كمية هذه التدفقات بين ٢٥٠ و٣٥٠ مليون متر مكعب سنوياً.
 
احتلال مصادر اللدان وبانياس
بدأ الصراع على المياه وتدفقاتها والسيطرة عليها مع تقسيم القوّات البريطانية والفرنسية للأرض بعد الانتصارات التي حققتها على الإمبراطورية العثمانية. وفي العام ١٩٢١ نجح الضغط الصهيوني الهادف إلى ضمّ معظم روافد نهر الأردن لسلطة الانتداب البريطاني على فلسطين. غير أن محاولات ضم نهر الليطاني باءت بالفشل على رغم الضغط الصهيوني المستمر. وفي وقت لاحق، اتّخذ الصراع طابعاً أكثر عنفاً إثر النكبة الفلسطينية عام ١٩٤٨ وقيام إسرائيل، وأصبح وضع المخططات والمشاريع المائية الرئيسية الكبرى أو محاربتها محوراً أساسياً بين لبنـان وسورية والأردن من جهة وإسرائيل من جهة أخرى. وما لبثت إسرائيل أن سيطرت على التدفقات بعد استيلائها العسكري على الجولان السوري في العام ١٩٦٧ واجتياحها للبنان في العام ١٩٧٨ والاحتلال الذي تلا ذلك حتى العام ٢٠٠٠. منذ ذلك الحين تستحوذ إسرائيل على حصة الأسد من تدفقات الجزء العلوي لروافد نهر الأردن، ويستغل لبنان ما يقارب نسبة واحد في المئة، بينما لا تستثمر سورية شيئاً.
حافظت إسرائيل على هذا الاستئثار حتى بعد انسحابها من معظم الأراضي اللبنانية في العام ٢٠٠٠. وبما أنها لا تزال تحتل الجولان السوري، بما في ذلك أجزاء من جبل حرمون وقرية الغجر ومزارع شبعا، فهي تحتفظ بالسيطرة الكاملة على مصادر ومناطق تغذية اثنين من الروافد الثلاثة هما اللدان وبانياس.
كان قيام لبنان ببناء محطة ضخ للمياه (الوزاني) على نهر الحاصباني في العام ٢٠٠٢ إشارة إلى أن إسرائيل بانسحابها عام ٢٠٠٠ فقدت السيطرة على مصادر مياه نهر الحصباني. غير أن الدراسة أظهرت أن ردة فعل الطرف الإسرائيلي، من التهديد بالحرب إلى المطالبة بوساطة دولية، خدم في إعادة تأكيد سيطرته على التدفقات من خلال ردع أي عمل مستقبلي إنمائي على النهر. ويقود ذلك إلى أحد الاستنتاجات المتعددة للدراسة، وهو نظرية أن التحكّم بتدفقات المياه ومصادرها في الحوض الأعلى للنهر يمكن أن يتم من دون الحاجة إلى السيطرة على الأراضي.
وعلى رغم ذلك، فإن مصادر مياه الحوض الأعلى لنهر الأردن لا تعتبر اليوم ذات أهمية حاسمة لإسرائيل. فالروافد تشكل المصدر الرئيسي لبحيرة طبريا، وتؤمن نحو سدس إجمالي المياه العذبة لإسرائيل، والثلث إذا لم يؤخذ عامل التبخر في الإعتبار. وتستخدم هذه المياه من أجل الزراعة الصناعية في صحراء النقب بغية إنتاج «محاصيل نقدية للتصدير»، وأيضاً من أجل الاستهلاك المنزلي.
إذا أخذنا في الإعتبار هذه الاستخدامات لموارد المياه الثمينة، بالإضافة إلى حجم استيراد المواد الغذائية الحالي والقدرة على تحلية مياه البحر، ندرك أن لدى أسرائيل خيارات منطقية إضافية. لذا، وعلى رغم أن الاحتلال الإسرائيلي المستمر لمزارع شبعا وقرية الغجر يمكن تفسيره بهدف تأمين تدفق متواصل للمياه، فلا نستطيع إغفال الحوافز الدينية والعسكرية التي يمكن أن تكتسب طابعاً أهم.
بالطريقة عينها، تستنتج الدراسة أن السيطرة على مصبات نهر الليطاني لم تكن أحد الحوافز الرئيسية لاجتياح لبنان في الأعوام ١٩٧٨ و١٩٨٢ و٢٠٠٦. ومع ذلك، ومما لا ريب فيه، فإن المصادر المائية والبنية التحتية للمياه كانت، بشكل دائم، من الأهداف والذرائع الرئيسية في الحروب التي شنّتها إسرائيل. إن التدمير المتعمد والعشوائي لأكثر من ٥٠ خزاناً عاماً للمياه في جنوب لبنان عام ٢٠٠٦ لم يظهر فقط الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الإنساني الدولي، بل عبّر عن وسائل فعالة لتهجير المدنيين من ديارهم ومنعهم من العودة. وساهمت حرب ٢٠٠٦ في تعزيز إحكام «الهيمنة المائية» التي تعتمدها إسرائيل على التدفقات العابرة للحدود من خلال تخريب أو ردع أي مشروع إنمائي لبناني على نهر الحاصباني.
 
إدارة الأزمة
إن التكاليف السياسية والعسكرية والمالية الباهظة التي تكبّدتها الحكومات الإسرائيلية بغية تأمين الاستخدام الحصري والمستمر لموارد المياه في الحوض الأعلى لنهر الأردن، لا تعطى أهمية تذكر بالمقارنة مع مصالح أمن الدولة العبرية. ويفسّر هذا جزئياً من خلال التمحيص في مفاهيم الصراع حول المياه.
تستكمل المحافظة على النظام القائم عبر أعمال العنف (القوة الصلبة) بعدد من الروايات والخطابات (القوة الناعمة). ومن الخطابات الإسرائيلية المهيمنة ذاك الذي يربط التدفقات العابرة للحدود بأمن دولة إسرائيل، على أساس روايات مركّبة حول ندرة المياه والأراضي الاستراتيجية. ويبدو هذا الرابط قائماً بشكل وثيق عبر الطيف السياسي الإسرائيلي بكامله، وقد أثر على الوسطاء الدوليين وبدا جلياً خلال الخلاف على نبع الوزاني عام ٢٠٠٢.
بدت الجهود الديبلوماسية التي بذلها المجتمع الدولي خلال فترة النزاع على نبع الوزاني، إضافة إلى الخلافات السابقة الأخرى، مهتمةً بعدم زعزعة الوضع القائم أكثر مما هي مهتمة بالمعالجة الجذرية لأسباب النزاع. فقد كان التركيز على إدارة الأزمة، وبالتالي كانت هذه الجهود تقوم بتهدئة المخاوف في جانب من الحدود فيما تثيرها في الجانب الآخر، مما فوّت الفرص للبدء بإيجاد حلول جذرية. وقد برزت رغبة وجهود مماثلة لتقسيم حوض نهر الأردن على نحو غير متناسق إلى حوضين فرعيين: واحد علوي وآخر سفلي. لا شك في أن هذه الجهود الديبلوماسية التي ترتكز على الروافد الدنيا لحوض الأردن ستبوء في نهاية المطاف بالفشل، بسبب تجاهل التوترات القائمة في أعلى الحوض، كما أن أسفل الحوض يتأثر بالأنشطة الحاصلة في منطقة المنبع. وقد استخدمت الدراسة هذا التقسيم الزائف عبر التركيز على الجزء العلوي لنهر الأردن، غير أنها تؤكد على أهمية اعتباره جزءاً لا يتجزأ من حوض نهر الأردن بكامله.
وقد تنشب نزاعات عنيفة محتملة في المستقبل بسبب التلوث العابر للحدود، أو النمو المكثف لمشاريع المياه الجوفية أو لخطط بناء الخزانات. لذلك، على الجهود التي تبذل في سبيل التكهن باندلاع حروب وتوترات مماثلة أن تأخذ في الإعتبار الإطار السياسي الأوسع أولاً، الذي سيستمر في تقرير ما إذا كان أحد الطرفين سيبادر مثلاً إلى إعادة استخدام المياه العادمة أو اعتماد تكنولوجيا تحلية ميـاه البحـر بغية تأجيج الصراع حول المياه أو التخفيف من حدّته.
في هذه الأثناء، وما بين نوبات الحرب المدمّرة، يستمر الصراع المزمن على المياه بحدة أقل، مع آثاره الجلية في لبنان بشكل رئيسي. وعلى الحل العادل لمشكلة النزاع حول المياه أن يكون سريعاً، في حال سمحت به التحولات في السلطة أو في العلاقات. وتحقيقاً لهذه الغاية، تعيد الدراسة التأكيد على أن التوترات حول الحوض الأعلى لنهر الأردن لن تتبدد إلا إذا أخذت التحاليل والجهود الديبلوماسية بعين الاعتبار عدم التماثل في استخدام المياه العابرة للحدود وتوزيعها على مناطق الحوض بكامله.

 
 
 
 

اضف تعليق
*الاسم الكامل  
*التعليق  
CAPTCHA IMAGE
*أدخل الرمز  
   
 
بندر الأخضر صديق البيئة
(المجموعة الكاملة)
البيئة والتنمية
 
اسأل خبيرا
بوغوص غوكاسيان
تحويل النفايات العضوية إلى سماد - كومبوست
كيف تكون صديقا للبيئة
مقاطع مصورة
 
احدث المنشورات
البيئة العربية 9: التنمية المستدامة في مناخ عربي متغيّر - تقرير أفد 2016
 
 
 
ان جميع مقالات ونصوص "البيئة والتنمية" تخضع لرخصة الحقوق الفكرية الخاصة بـ "المنشورات التقنية". يتوجب نسب المقال الى "البيئة والتنمية" . يحظر استخدام النصوص لأية غايات تجارية . يُحظر القيام بأي تعديل أو تحوير أو تغيير في النص الأصلي. لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر يرجى الاتصال بادارة المجلة
©. All rights reserved, Al-Bia Wal-Tanmia and Technical Publications. Proper reference should appear with any contents used or quoted. No parts of the contents may be reproduced in any form by any electronic or mechanical means without permission. Use for commercial purposes should be licensed.