Friday 14 Jun 2024 |
AFED2022
 
AFEDAnnualReports
Environment and development AL-BIA WAL-TANMIA Leading Arabic Environment Magazine
المجلة البيئية العربية الاولى
 
 
افتتاحيات
 
نجيب صعب عالِم في مجلس كافور  
كانون الثاني (يناير) 2008 / عدد 118
 هل يمكن أن تتقدم مجتمعات لا تقدّر علماءها؟ هذا السؤال ألحّ علينا مؤخراً، خلال مناسبات شهدناها في المنطقة العربية، كان يفترض أن تكون لعرض تقارير علمية ومناقشة سياسات وطنية واقليمية بناء على نتائجها، فكادت تتحول إلى لقاءات اجتماعية لا تتعدى حدود العلاقات العامة.
محمد العشري، العالم العربي المصري الكبير المقيم في الولايات المتحدة، والرئيس السابق لصندوق البيئة العالمي، وصاحب السمعة الطيبة الذائعة في أرجاء الدنيا، دُعي الشهر الماضي إلى تقديم نتائج تقرير التنمية البشرية، الذي يصدره برنامج الأمم المتحدة الانمائي، في اجتماع لأحد المجالس الوزارية الاقليمية في القاهرة. وكانت المرة الأولى التي يتم فيها عرض التقرير المهم في العالم العربي، وهو يركّز هذه السنة على قضية تغيّر المناخ.
وقف العشري، بقامته العلمية والجسدية الطويلة على المنبر، وأعلن أنه سيقدم عرضه الشفهي بالانكليزية، يصاحبه النص بالعربية على شاشة كبيرة أُعدت خصيصاً لذلك، مع ترجمة فورية لمن يهمه الأمر.
واحد من ممثلي الدول، التي لم تشتهر باتقانها اللغة العربية، اعترض احتجاجاً، وهو ينفث دخان سجائره المتتالية حول طاولة الاجتماعات في القاعة المغلقة: ''كيف يُسمح لهذا العربي المصري الأصل أن يتحدث بالانكليزية في اجتماع عربي؟'' عبثاً حاول العشري، بتواضع العلماء، أن يشرح أنه أعد النص الشفهي باللغة الانكليزية لأنه يعتمد على أصل التقرير، وقام بترجمته إلى العربية لتسهيل متابعته على الشاشة، والاستماع إليه عبر الترجمة الفورية، وأنه يعتذر عن ضعف لغته العربية بعد عقود من الاقامة والعمل في الخارج. لكن الاستاذ صاحب السيجارة أصرّ على متابعة تلقين العشري دروس اللغة.
مندوب دولة أخرى علّق من الجانب المقابل للطاولة المستديرة أن لا حاجة للاستماع إلى عرض للتقرير، إذ أنه ''قديم وتم عرضه مرات عديدة سابقاً''. ويبدو أنه خلط هذا التقرير الجديد حول تأثير تغير المناخ على التنمية البشرية، مع تقارير عن مواضيع أخرى تم اعلانها خلال الشهور الماضية.
وسط هذا النقاش، كان العالم الكبير المتواضع، الآتي خصيصاً من واشنطن لمخاطبة الاجتماع، يستمع غير مصدّق لما يحصل. وبتواضع العلماء أيضاً، استجاب، وقدّم نتائج التقرير ارتجالاً، بما تيسّر له من ذاكرة للغة العربية، تاركاً ملاحظاته المكتوبة المعدَّة بدقة جانباً. وكان في التقرير أحدث المعلومات عن آثار تغيّر المناخ على المنطقة العربية، من المحيط إلى الخليج. فهل من يسمع؟
في صالة أحد الفنادق الكبرى، بعد ساعات على ''محنة'' العشري، وفي مكان ليس ببعيد، اجتمع مئات المدعوين حول طاولات الطعام، لحضور ''إطلاق '' تقرير حول وضع البيئة. هذه المناسبة كانت بالفعل إعادة تدوير لمجموعة ''إطلاقات'' سابقة للتقرير نفسه، الذي وُزّع ونُشر وأُعلن في مؤتمرات صحافية منذ عدة أسابيع. لكن ما جذب الجمهور إلى الحضور كان وعداً بحديث ونقاش مع الدكتور مصطفى كمال طلبه، رائد البيئة المصري العربي العالمي.
حضر أصحاب المعالي والسعادة فتصدّروا القاعة. بدأ الحفل بمجموعة من الكلمات الترحيبية والتقديمية المطولة، تلتها مجموعة أخرى من الخطب البروتوكولية، ما إن انتهت حتى كانت ساعة ونصف ساعة من الزمن قد انقضت. حتى هذه اللحظة، لم يكن الحضور قد سمعوا شيئاً ملموساً عن التقرير المزمع ''إطلاقه''.
قام أصحاب المعالي والسعادة مغادرين القاعة، إيذاناً بانتهاء المراسم البروتوكولية. بدأ اعلان النقاط الرئيسية في التقرير، وبعد الدقائق الأولى من فيلم تسجيلي عنه، ضج الحضور ضجراً، فتوقف العرض بلا انذار.
إثر ساعتين من المقدمات، ومن كلمات المديح الشخصي التي سبقتها، وكأن مجلس كافور بُعث حيّاً، كاد الناس ينسون أن بينهم عالماً هو الدكتور مصطفى كمال طلبه، هو بالذات من جاؤوا للاستماع إليه. وبتواضع العلماء، اعتلى طلبه المنبر، وقدم أدق المعلومات والتحاليل عن تحديات البيئة العربية، في حديث شائق أنسى الحضور محنة الساعتين السابقتين. وتجاوب الجمهور في حوار مفتوح لم يقلّ حرارة عن حديث طلبه.
من كل أصحاب المعالي والسعادة، وحده وزير الري والموارد المائية المصري الدكتور محمود أبو زيد بقي يستمع إلى الدكتور طلبه. هذا الوزير العالم يدرك أن المعرفة لا حدود لها، فيما يبدو أن الآخرين ختموا أبواب المعرفة.
بانتهاء اجتماع القاهرة، وفي غفلة عن أصحاب المعالي، غادر مصطفى طلبه الى أوسلو، لحضور حفل تسليم جائزة نوبل للسلام لآل غور واللجنة الحكومية الدولية للتغير المناخي، كضيف شرف، لأنه، كما جاء في الدعوة، عراب العمل البيئي الدولي، الذي كان قبل عشرين عاماً وراء تأسيس اللجنة الدولية للتغير المناخي.
عفواً محمد العشري. نعرف الآن لماذا تبقى مهاجراً، ولا نلومك. وشكراً مصطفى كمال طلبه، لأنك تقودنا في تحدّي جدار الجهل البيئي.
 
 
 
 

اضف تعليق
*الاسم الكامل  
*التعليق  
CAPTCHA IMAGE
*أدخل الرمز  
   
 
بندر الأخضر صديق البيئة
(المجموعة الكاملة)
البيئة والتنمية
 
اسأل خبيرا
بوغوص غوكاسيان
تحويل النفايات العضوية إلى سماد - كومبوست
كيف تكون صديقا للبيئة
مقاطع مصورة
 
احدث المنشورات
البيئة العربية 9: التنمية المستدامة - تقرير أفد 2016
 
ان جميع مقالات ونصوص "البيئة والتنمية" تخضع لرخصة الحقوق الفكرية الخاصة بـ "المنشورات التقنية". يتوجب نسب المقال الى "البيئة والتنمية" . يحظر استخدام النصوص لأية غايات تجارية . يُحظر القيام بأي تعديل أو تحوير أو تغيير في النص الأصلي. لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر يرجى الاتصال بادارة المجلة
©. All rights reserved, Al-Bia Wal-Tanmia and Technical Publications. Proper reference should appear with any contents used or quoted. No parts of the contents may be reproduced in any form by any electronic or mechanical means without permission. Use for commercial purposes should be licensed.