Saturday 26 Nov 2022 |
AFED2022
 
AFEDAnnualReports
Environment and development AL-BIA WAL-TANMIA Leading Arabic Environment Magazine
المجلة البيئية العربية الاولى
 
 
موضوع الغلاف
 
رجب سعد السيِّد محرقة البيئة  
أيار (مايو) 2003 / عدد 62
 لم تغرق مياه الخليج بملايين براميل النفط ولم تتلوث الأجواء بمئات الآبار المشتعلة، كما حصل في حرب الكويت عام 1991. لكن التقرير الذي صدر منذ أيام عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة يؤكد أن الأثر البيئي للحرب الأخيرة قد يكون أكثر كارثية، لأن المخفي أعظم من الظاهر. فقد بلغ عدد قظائف الطائرات 27,250 قذيفة، وأطلق 800 صاروخ توما هوك، مقارنة مع 288 صاروخاً فقط أطلقت خلال حرب 1991. وبين هذه الكثير من رؤوس اليورانيوم المستنفد، الذي استخدم علناً هذه المرة.
الأمور لا تزال غائمةً، تماماً كما كانت سماء العراق ملبَّـدة بغبار المعركة ودخان حرائق آبار النفط والخنادق المملوءة بالزيت الخام المشتعل، التي أحاطت ببعض أطراف مدينة أبي جعفر المنصور وعاصمة الرشيد. أشعل العراقيون بأيديهم هذه الحرائق، لتنتج ستائر من الدخان الكثيف حسبوها، مخطئين، ستعمل على إعاقة تقدم الجيوش الغازية وتضليل القنابل والصواريخ والتمويه على طياري المقاتلات البريطانية والأميركية.
والغريب أن يطلع إلينا أحد المحللين في مجلة "نيوساينتيست" البريطانية ليقول إن هذه الستائر الدخانية كانت السبب في أن تخطئ القذائف أهدافها العسكرية وتتجه إلى بيوت المدنيين! وهو طبعاً يكذب، إذ يعلم جيداً أن معظم أعمال القصف كان يتم عبر شبكات متصلة بالأقمار الاصطناعية، التي لا تعوق عملها ستائر محدودة من الدخان. فتلك المقذوفات الذكية تنطلق مخترقة السحب والضباب والأمطار، وتعرف أهدافها، فتذهب إليها لتصيبها بدرجة عالية من الدقة.
ما أصعب الكتابة، خصوصاً إذا كانت عن شأن كالشأن البيئي، يستحيل تخليصه من بين خيوط متشابكة وشؤون أخرى معقدة تحتل السطور الأولى في قائمة الأولويات. فلا أحد يختلف في أن ظروف الحرب تفرض أن تكون الأولوية للمشاكل المتصلة بالضحايا من البشر، وأولئك الذين فقدوا بيوتهم ومصادر رزقهم، وأصبحوا مشردين، جوعى، بلا مأوى. العسكريون يشعلون نار الحرب، لكنهم لا يكتوون بها وحدهم، اذ أن المدنيين مستهدفون، عن قصد أو عن غير قصد. وتقول الإحصاءات إن أربعة أخماس ضحايا الحروب، منذ الحرب العالمية الثانية، هم من المدنيين، وغالبيتهم العظمى من الأطفال والنساء.
الحرب تعني، بالدرجة الأولى، القتل والتشريد، وتعني أيضاً تدميراً للأنظمة البيئية والموارد الطبيعية الداعمة للحياة. وذلك المعنى الأخير، على أهميته الكبيرة، يتوارى غالباً خلف فداحة الخسارة في الأرواح وانهيار الحياة الاجتماعية، الناجمين عن انفجارات الصواريخ والقنابل.
والحقيقة أن ثمة علاقة غريبة بين البيئة والحرب. فالمدقق في طبيعة النزاعات على مرِّ العصور يجد أن وراء معظمها دوافع بيئية، ظاهرة أو خفية، غالباً ما تتمثل في الصراع على الموارد الطبيعية. ثم إنه يجد أن الأنظمة البيئية هي في الوقت ذاته أولى ضحايا الحروب. وعلى سبيل المثال، كانت الموارد الطبيعية هي الدافع لاشتعال الحرب الأهلية التي شنتها حركة متمردي "يونيتا" في أنغولا. صحيح أنها كانت تتشح بالأيديولوجيات، ولكن اتضح أخيراً أن محركها الحقيقي كان الطمع في مناجم الماس الذي حقق المتمردون من وراء تجارته ثروة تقدر بأربعة بلاييـن دولار، في الفترة من العام 1995 حتى انتهت الحرب في العام 2002. أما حركة "الخمير الحمر" في كمبوديا، فكانت تحصل على عائد سنوي قدره 240 مليون دولار من بيع منتجات الغابات الكمبودية. ولماذا نذهب بعيداً، أليس النفط هو "وقود" هذه الحرب التي نتحدث عنها الآن؟ ان احتياطات العراق النفطية هي "الكعكة" الرئيسية على مائدة المتلمظين، الذين جاؤوا ومعهم خطط تستهدف رفع إنتاجية الآبار العراقية إلى ثلاثة ملايين برميل يومياً بحلول سنة 2005. كما أنهم ينوون المكوث في المنطقة حتى 2012، لأن لديهم خططاً أخرى لمضاعفة التهام النفط العراقي، ليصل إلى 12 مليون برميل في اليوم الواحد. وهذا يفسر أنه بينما كان اللصوص ينهبون مستشفيات العراق ومتاحفه بلا رقيب أو رادع كانت الجيوش تحمي الآبار ومبنى وزارة النفط.
"أوزار الحرب" قنابل موقوتة
عندما تنتهي الحرب، يقال إنها وضعت أوزارها، بمعنى أعباءها، أي لم تعد لها أعباء. والحقيقة أن هذا التعبير البلاغي لم يعد يتناسب مع طبيعة الحروب الحديثة، التي تستمر أوزارها جاثمة على صدر البيئة زمناً طويلاً. من تلك الأوزار ذلك الشبح الرهيب الذي تتركه العمليات العسكرية وراءها كامناً تحت سطح التربة: الألغام. إنها رعب قائم، يدفع الناس إلى هجر أراضٍ منتجة كانوا يزرعونها ويعيشون عليها، فيندفعون بحثاً عن أراض بديلة، ويتجهون إلى الغابات يعرُّون مساحات منها لزراعتها، غير مبالين بالتبعات البيئية المترتبة على هذا التصرف.
وقد حذر تقرير الأمم المتحدة الأخير عن الحرب على العراق من آلاف القذائف غير المنفجرة، والتلوث الخطر من ضرب مستودعات الذخيرة والمصانع العسكرية. وأشار التقرير الى أن القوات الأميركية ضربت في 31 آذار (مارس) مصنع الكندي للصواريخ على ضفاف دجلة قرب الموصل، إضافة الى عشرات المواقع العسكرية الأخرى، بما فيها مراكز أبحاث نووية. وأكد أن تردي الوضع البيئي في العراق يعود في شكل رئيسي الى تراكم المشاكل في مضاعفات حرب 1991 والعقوبات التي تبعتها. فهي منعت عن العراق كثيراً من المعدات والمواد الكيميائية الضرورية لصحة البيئة، بحجة أنه يمكن أن يكون لها استعمالات مزدوجة لتطوير الأسلحة.
وفي منتصف نيسان (أبريل) دعت فيتنام الولايات  المتحدة الى مساعدة ضحايا العامل البرتقالي، الذي يحوي الديوكسين القاتل، بعدما تبين أن الكميات التي استخدمها الجيش الأميركي من هذا المبيد لتعرية الغابات خلال حرب فيتنام تفوق كثيراً ما تم الاعتراف به سابقاً. وهذا أدى الى اصابة مئات ألوف السكان بأمراض وتشوهات ما زالت تظهر بعد عشرات السنوات على انتهاء الحرب.
ومن الأخطار البيئية المؤجَّلة أيضاً النفايات العسكرية، وبصفة خاصة مخزون الأسلحة غير التقليدية التي يعتبر تداولها بغرض تأمينها ونقلها للتخلص منها عملية محفوفة بالمخاطر. وتعاني الإدارات الأمريكية مشكلة مخزون من الأسلحة الكيميائية مقداره 30 ألف طن، يحتاج التخلص منه إلى ميزانية قدرها 12 بليون دولار، بالإضافة إلى مخلفات حربية أخرى متناثرة في مواقع برية وبحرية.
ويبدو أن المؤسسة العسكرية الأميركية كانت تحاول أن تجد حلاً لمشكلة المخلفات العسكرية، فانتهزت فرصة انشغال الإدارة السياسية بمطاردة الإرهاب والإعداد لغزو العراق، وطلبت لنفسها بعض الاستثناءات التي تعفيها من الالتزام بقوانين بيئية فيدرالية، بحجة أنها تعطل أعمال تدريب واستعداد الجيش الأميركي للمهام المكلف بها. والقوانين المطلوب إبعادها عن البنتاغون هي تلك المتصلة بالمخلفات الخطرة، وتلوث الهواء، وحماية الحيوانات الثديية البحرية، وصون الأنواع المعرضة لخطر الانقراض.
وقد أغضب هذا الطلب أنصار البيئة وعلماءها الأميركيين، فقالوا إن وزارة الدفاع تتخذ الحرب ضد الإرهاب والحرب العراقية ذريعة لاستثناء الجيش من الامتثال لهذه القوانين، التي شرِّعت لحماية الصحة العامة والبيئة الأميركية. كما لاحظوا أن الاستثناءات المقترحة لها عواقب وخيمة على البيئة، والمطالبة بها في هذا التوقيت يظهر عدم مبالاة الإدارة الأميركية بالصحة العامة وصحة البيئة. ومن المشاركين في الحملة ضد هذه الاستثناءات مسؤول بيئي كان يعمل في صفوف الجيش مراقباً للموارد الطبيعية في قاعدة أريزونا الجوية، فُصل من عمله حين اعترض على انتهاكات بيئية قام بها العسكريون. يقول الرجل إن الجيش يأتي في مقدمة منتجي الملوثات الخطرة، وهو أكبر ملوث للأمة الأميركية، وقد قام بتلويث 28 ألف موقع في الولايات المتحدة وخارجها. ويضيف أن الجيش يريد أن يتنصَّل من كلفة أعمال تنظيف المواقع التي يلوثها، ويلقيها على عاتق الإدارات الحكومية التي تعاني أسوأ أزمة مالية في التاريخ الأميركي.
كما يرى ناشطون بيئيون أميركيون أن الغرض الحقيقي من طلب الاستثناءات هو إعطاء الجيش الضوء الأخضر للتخلص من مخلفاته الخطيرة، بدفنها أو إلقائها في المحيط.
واذ تشير الدلائل إلى أن العراقيين كانوا ينوون تفجير حقول نفط، إذ نقلوا إليها 24 عربة قطار محملة بمتفجرات البنتولايت، غير أنهم لم يشعلوا إلا عدداً قليلاً من الآبار. ومن جهة أخرى، كانت قوات التحالف حريصة على تأمين سلامة المنشآت النفطية في الشمال والجنوب، فمن أجلها جاءت! ولكن قبل انتهاء الحرب منحت الحكومة الأميركية عقداً بقيمة سبعة بلايين دولار الى شركة "كيلوغ براون آند روت" المقربة من نائب الرئيس ديك تشيني "لاطفاء حرائق آبار النفط". فهل كان هناك وسطاء وسماسرة يرغبون بدمار أكبر وخلق طبقة جديدة من أثرياء الحرب؟ وماذا سيكون مصير عقد إطفاء الحرائق الآن، في غياب الحرائق؟
"القوة الساحقة"
كان الجانب الأميركي أعلن عن استخدام "القوة الساحقة"، في "ضربات استباقية"، ضد الأمم العدوة ومجموعات الإرهاب. فهل كانت تلك القوة الساحقة هي التي تمثلت في الأنواع المستحدثة من القنابل والصواريخ التي تساقطت على العراقيين كالمطر، ولا تزال آثارها تنتظر الدراسة؟ وكم طناً من اليورانيوم المستنفد تم استخدامه لضرب الآليات والمصفحات العسكرية؟ وكانت أعمال المسح التي أُجريت بعد حرب 1991، على طول الحدود العراقية الكويتية وحول البصرة، أكدت وجود نشاط إشعاعي مؤثر في مواقع الدبابات والمركبات الحربية العراقية المدمَّرة، وفي بعض محطات ضخ النفط التي قُصفت بقذائف اليورانيوم المستنفد.
وأظهر تقرير نشر في آذار (مارس) الماضي عن اليورانيوم المستنفد في البوسنة، هو الثالث الذي يصدره برنامج الأمم المتحدة للبيئة عن دول يوغوسلافيا السابقة، وجود أجزاء من اليورانيوم في الهواء وتسربها الى المياه الجوفية في المواقع حيث تم ضرب الآليات المدرعة ومصانع الأسلحة عام 1995. ونصح التقرير بتنظيف هذه المناطق وعدم استخدام المياه الجوفية في الشرب، لاستمرار تلوثها بعد ثماني سنوات من تعرضها لقذائف اليورانيوم المستنفد.
ويشير بعض المراقبين العسكريين إلى أن النتائج التي حققتها قذائف اليورانيوم المستنفد، في حـرب العراق 1991 والبلقان سنة 1995، شجَّعت الأميركيين على تطوير وسائل إطلاقها. وقد زودوا بها أربعة أسلحة كان لها دورها الحاسم في حرب "تحرير العراق"، وهي: الطائرة المقاتلة A10، والمروحية أباتشي، والمروحية كوبرا، والمدرَّعة أبرام M1A1. وقد أعلن تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة الأخير أن طائرات A10، التي تعتبر صائدة للمدرعات استخدمت قذائف اليورانيوم المستنفد خلال الحرب، حتى حين ضربت مبنيي وزرتي التخطيط والاعلام في بغداد في 8 نيسان (أبريل).
أما القنابل العنقودية فقد تم استخدامها علناً، وأدت الى آلاف الاصابات بين المدنيين، وما زالت الأجزاء غير المنفجرة منها والمتناثرة عبر أراضي العراق تشكل تهديداً للمدنيين يوازي خطر الألغام الأرضية. وجدير بالذكر أن جميع المنظمات الدولية وهيئات حقوق الانسان تدعو الى حظر القنابل العنقودية وتصنفها، مع قذائف اليورانيوم المستنفد، في خانة أسلحة الدمار الشامل.
على أي حال، ها هي الحرب قد خمدت. وإذا استعرضنا الوضع الحالي للبيئة في العراق، وجدنا الحال – بأي مقياس - لا يسر. فالمورد الطبيعي الرئيسي، النفط، لا يعلم أحد كيف ستتم إدارته. والأنظمة البيئية في حالة إنهاك شديد نتيجة إهمال طال، كما في بيئة الأهوار مثلاً. وثمة نقص حاد في مياه الشرب، فقد تدهورت حالة مرافق الإمداد بالمياه المنقَّاة، بسبب العقوبات والحظر خلال التسعينات، ونقصت طاقتها الإنتاجية بنسبة 40 في المئة. يضاف إلى ذلك عجز في قدرات الصرف الصحي، إذ يتم صرف المخلفات البشرية، وحجمها 500 ألف طن يومياً، من دون معالجة، في المسطحات المائية الطبيعية التي هي المورد الرئيسي لمياه الشرب. ويموت من أطفال العراق 125 في الألف، وكانت نسبة الوفيات بينهم 65 في الألف قبل 1991 حسب تقديرات اليونيسف. ولا أحد يستطيع أن يقدم صورة لحقيقة التنوع الأحيائي في الأنظمة البيئية العراقية، فالأبحاث العلمية في هذا المجال قليلة جداً. ولا بد أن يشتمل جدول الأولويات على دراسات ميدانية لتقدير حجم التلوث الاشعاعي في المواقع التي قصفت بقذائف اليورانيوم المستنفد، تمهيداً لعمليات تنظيفها. لكننا نشك في أن أحداً سيهتم بمثل هذه العمليات، وذلك لكلفتها العالية. فحسب التقديرات الأميركية، يتطلَّب تنظيف مئتي هكتار من مخلفات تلك القذائف ما يزيد على أربعة بلايين دولار.
المطلوب الآن حرب وقائية لحماية البيئة. وإلا فكيف يتحقق الاستقرار لمنطقة تلوثت مواردها المائية وفسد هواؤها وتلطخت يابستها بالمخلفات؟
كادر
الأنظمة البيئية في العراق
الأهوار جنة ضائعة
ليس ثمة دراسات منشورة كافية عن البيئة في العراق. فمنذ 1978 ظهر عدد قليل جداً من هذه الدراسات، يدور معظمه على التنوع الأحيائي، ولا يتناسب مع التنوع الكبير والجلي في الأنظمة البيئية العراقية، التي تتميز منها:
 
- الجبال الشمالية الشرقية، ويتجاوز أعلاها 3000 متر ارتفاعاً، وتستقبل أمطاراً بمعدل ألف مليمتر سنوياً.
- هضبة صحراوية في الشمال الغربي، تمثل 75 في المئة من مساحة الأرض العراقية.
- سهول صحراوية شبه قاحلة، في الجنوب الغربي.
– سهول ومستنقعات خصبة في منطقة ما بين النهرين، وتشتمل على أهوار وسهول غرينية، وفيها مساحات كبيرة من البرك الضحلة، الدائمة والموقتة، يستوطنها عدد كبير من الطيور.
– شط العرب، وهو ممر مائي فريد، ينشأ عند نقطة التقاء نهري دجلة والفرات إلى الشمال من مدينة البــصرة، ويمتد مسافة 110 كيلومترات ليصب في رأس الخليج العربي، في المنطقة الساحلية المحدودة التي يمتلكها العراق والتي لا يزيد طولها عن 50 كيلومتراً.
وتبلغ مساحة هذه الأنظمة البيئية، وهي في الواقع كل مساحة العراق، 434 ألفاً و317 كيلومتراً مربعاً.
كان العراق يمتلك مساحة لا بأس بها من الغابات الطبيعية، كانت تمثل 4 في المئة من إجمالي مساحة البلاد في العام 1948، لكنها تناقصت حتى تدنت إلى 0,2 في المئة فقط من مساحتها الأصلية في نهاية القرن العشرين.
ويقع العراق في مركز الإقليم المعروف باسم "الهلال الخصيب"، وهو أحد مناطق الزراعة الرئيسية في العالم، وربما كان أول منطقة عرفت زراعة المحاصيل وتربية الماشية في نظام زراعي متكامل. وكان ذلك منذ أكثر من 10 آلاف سنة. وهذا يعني امتلاك العراق ثروة هائلة من الصفات الوراثية، التي تحملها سلالات وأنواع حيوانية هي التي تأسس عليها النظام البيئي الزراعي في تلك المنطقة.
وليس ثمة ما يفيد بأن العراق اتخذ إجراءات رسمية لفرض الحماية على مناطق ومواقع بعينها، لأغراض صون الحياة الطبيعية.
الأهوار هي أبرز الأنظمة البيئية العراقية وأكثرها إثارة للجدل. وكانت تعد واحدة من أهم نطاقات أنظمة الأراضي الرطبة في قارتي آسيا وأوروبا.
يعيش في الأهوار قوم من البشر ارتبطوا بها منذ فجر الحضارات القديمة، وعرفوا كيف يوطدون علاقتهم بالمكونات البيئية، ويقيمون حياتهم على ما يقدمه لهم هذا النظام البيئي المتميز من مقومات الحياة.
وكانت هذه المستنقعات، وهي في حالتها الأصلية، تمد العراق بحوالي 60 في المئة من إنتاجه السمكي. كما كانت تنتج معظم محصولي الأرز وقصب السكر. وبالإضافة إلى ذلك، كانت الأهوار تعمل كأنظمة معالجة لمياه نهري دجلة والفرات الملوثة قبل أن تصب في الخليج العربي.
وقد لحق الدمار بأهوار ما بين النهرين في المدة بين 1991 و2002، إذ كانت مساحتها 15 ألف كيلومتر مربع، ولم يبقَ منها إلا 50 كيلومتراً مربعاً. وكان ذلك بسبب إنشاء عدد كبير من السدود ومشاريع الري وإدارة المياه على طول مجرى نهري دجلة والفرات، في كل من العراق وتركيا وسورية. هذا بالإضافة إلى تجفيف متعمد لمساحة كبيرة من المستنقعات، تمت كإجراءات سياسية قمعية ضد سكان المنطقة. ومنذ سنوات قليلة، أصدر برنامج الأمم المتحدة للبيئة تقريراً بعنوان "أهوار ما بين النهرين"، يرصد فيه ما لحق بهذه البيئة من دمار في تسعينات القرن العشرين، وانعكاسات ذلك على الحياة البرية والسكان المحليين. وجاء في التقرير أن تدهور الأهوار أضعف اقتصاديات بعض المصايد في شمال الخليج العربي، وكانت تعتمد على بيئة الأهوار التي كانت تمثل موطن التكاثر لبعض أنواع الكائنات البحرية من الأسماك والقشريات الهامة.
المؤكد أن ثمة احتياطات نفطية غير مستغلة تكمن في منطقة الأهوار. والمؤكد أيضاً أن الأنظار تتجه إلى هذه المنطقة، التي نتوقع أن تشهد أنشطة تنقيب مكثفة في الأيام المقبلة. وهكذا، فإنها عانت من التجفيف في عهد صدام حسين، وستعاني من الأنشطة النفطية الآن. وفي الحالين، فالخاسر الأول هو الاعتبارات البيئية.
وثمة دلائل واضحة على أن شركات النفط بدأت منذ سنوات قليلة استعداداتها للانقضاض على المنطقة. وفكر بعضها في أن يدخل إلى المسرح متجمِّلاً، حاملاً في يده مشروعاً يحمل اسماً براقاً موحيــاً، هو "عدن تعود"، واعداً بإصحاح البيئة في الأهوار باستخدام جانب من أرباح النفط المستخرج منها.
الأبعاد البيئية للحرب على العراق
بقلم حسني الخردجي
ذكر هيرودوتس منذ نحو 25 قرناً أن الحرب هي انتهاك لنظم الطبيعة. وقد تأكدت هذه المقولة عبر التاريخ حيث دأب الإنسان على استغلال البيئة لمساندته في صراعاته، فسمم آبار المياه وأغرق الأراضي الزراعية وحفر الخنادق وأحرق الغابات وأقام الأسوار العالية ودمّر السدود والجسور. وقد شهد التاريخ الحديث تصعيداً خطيراً لظاهرة الإضرار بالبيئة لتحقيق مآرب عسكرية. فاستخدمت الأسلحة النووية في هيروشيما، ناغازاكي، واستخدم العامل البرتقالي (Agent Orange) في فيتنام لتعرية الغابات، ثم أشعلت آبار النفط بغرض التغطية على حركة الجيوش، كما سربت الملايين من براميل النفط لإعاقة إنزال بحري أو لإعاقة عمليات توليد الطاقة الكهربائية وتحلية المياه.  وهذا أكبر دليل على صحة مقولة هيرودوتس.
يستعرض هذا المقال الأبعاد البيئية للحرب على العراق، من واقع المعلومات المستمدة من مختلف المصادر، مع تقدير للآثار البيئية للحرب اعتماداً على الخبرة المكتسبة من كل من حربي الخليج السابقتين.
في ما كانت منطقة الخليج العربي، والعراق والكويت تحديداً، مسرحاً لتدمير بيئي متعمد خلال حرب العراق وإيران. فقد تم إغراق العديد من ناقلات النفط. فقد عرف في حينه بحرب الناقلات. وتناول التدمير مصافي النفط ومراكز التجميع، وحتى آبار النفط البحرية مثل حقل النيروز، مما أدى إلى تلوث بحري لا سابق له.  كما نتج عن حرب تحرير الكويت تدمير غير مسبوق للبيئة البحرية والصحراوية الهشة وتلوث جوي امتدت آثاره إلى خارج المنطقة.
وليس هناك مجال للمقارنة بين ما حدث من دمار بيئي شامل ناتج عن حرب تحرير الكويت والدمار المحدود الناتج عن الحرب على العراق.
فمقارنةً مع إشعال 732 بئراً نفطية في أعقاب تحرير الكويت، تم إشعال 7 آبار فقط في حقل الرميلة في جنوب العراق عند بداية الغزو الأميركي. وقد ساعدت الخبرة المستمدة من إخماد آبار نفط الكويت في إخماد معظم الآبار المشتعلة في زمن قياسي. غير أن إشعال هذه الآبار، بالإضافة إلى خنادق النفط حول المدن العراقية، أدى إلى تردي نوعية الهواء بشكل ملموس في منطقة شمال الخليج العربي، وتكوّن سحابة سوداء غطت المنطقة وأعادت إلى الأذهان مأساة 1991 البيئية.  ومن المتوقع أن يكون سكان هذه المناطق قد تعرضوا لمستويات مرتفعة من نواتج الاحتراق غير الكامل للنفط، من دخان أسود وجزئيات عالقة وعناصر معدنية ثقيلة مثل النيكل والفانيديم وكذلك أملاح الكبريت والنيتروجين والمركبات العضوية المتطايرة (VOC) والمواد المسرطنة من الهيدروكربونات المتعددة الحلقات (PNAH). بيد أن محدودية عدد الآبار التي أُشعلت وسرعة إخماد الحرائق خفّضت معدلات التعرُّض، بحيث سيصعب على المختصين إرجاع أي أثر بيئي أو صحي إلى هذه الحرائق.
أما في ما يتعلق بالبيئة الصحراوية، خاصة في جنوب العراق، فإن حركة الآليات الثقيلة والمجنزرات، وكذلك حفر الخنادق والاستحكامات، أدت بلا شك إلى تآكل الطبقة الكاسية لسطح الصحراء، وكذلك إلى تدمير الغطاء النباتي. وسيؤدي ذلك إلى كشف طبقات الرمال الناعمة وتعرضها للرياح التي سوف تحملها، لتفاقم من مشكلة زحف الكثبان الرملية، مما يتسبب قطع الطرق الصحراوية وردم المنشآت وتدمير الغطاء النباتي والزحف على الأراضي الزراعية، والتسبب بزيادة التصحر.
ومما لا شك فيه أن زراعة آلاف الألغام من قبل الأطراف المتحاربة ستسفر عن إصابة وعجز العديد من المدنيين، وستحرم العراق من استغلال وتنمية الكثير من الأراضي لتجنب المخاطر.
وقد استخدمت القوات الاميركية قذائف ذات قوة تدميرية غير مسبوقة ومجهولة العواقب. وأعرب بعض علماء الجيولوجيا عن تخوفهم من حدوث هزات أرضية في هذه المنطقة غير المستقرة سيزموغرافياً، نتيجة لاستخدام هذه القذائف ولاستخراج مئات الملايين من أطنان النفط سنوياً. ومن المحتمل أيضاً حدوث تصدعات وشروخ في الطبقات المصمتة من التركيبات الجيولوجية القريبة من السطح، قد تؤدي إلى تسرب المياه من الخزانات الجوفية القريبة من السطح إلى طبقات أكثر عمقاً، مما يصعب ويزيد كلفة استخراجها. كما أن احتمالات تسرب الملوثات من خلال الشقوق الناتجة عن الانفجارات الضخمة إلى خزانات المياه الجوفية واردة بشكل جدي.
وكانت الولايات المتحدة أعلنت قبل العمليات العسكرية عن نيتها استخدام اليورانيوم المستنفذ (المنضّب) في حربها ضد العراق، مما يجعل احتمالات التلوث البيئي بهذا العنصر السام واسعة الانتشار، بحيث يصعب فنياً واقتصادياً التخلص منه. وسوف يظل هذا التلوث إلى الأبد حيث يستغرق الزمن اللازم لتخفيض النشاط الإشعاعي لليورانيوم المستنفد إلى النصف عدة ملايين من السنين. ورغم المزاعم الأميركية التي تقلل من خطورة هذا العنصر كمادة إشعاعية، فإن خصائصه السمية كمعدن ثقيل متفق عليها بين العلماء.
وتسبب القصف المستمر على المدن الرئيسية، وخاصة بغداد، وسقوط هذه المدن الواحدة تلو الأخرى وانعدام النظام وانتشار الفوضى، إلى انهيار المؤسسات المعنية بإدارة البيئة والمحافظة على الإصحاح البيئي في مجمل العراق. فقد أدى انقطاع التيار الكهربائي وانهيار البنية التحتية وانتشار الفوضى إلى تفاقم الأوضاع البيئية على الشكل التالي:
- انهيار نظم الصرف الصحي من جمع ومعالجة وتخلص، أدى الأمر إلى صرف المخلفات الآدمية من دون أدنى معالجة إلى المسطحات المائية والأنهار. ويشكل هذا الصرف خطورة بالغة على حياة المواطنين، خاصة في غياب مياه الشرب النقية، كما يهدد البيئة بصفة عامة حيث تبين وجود زيادة محسوسة في الطحالب في شمال الخليج العربي، بسبب المغذيات المتوافرة في المجاري البلدية التي يتم صرفها من المدن العراقية من دون معالجة، مما سوف يؤثر سلباً على البيئة البحرية وتوازناتها الدقيقة في هذه المنطقة من العالم.
- عدم توفر مياه الشرب النقية يستتبع انعكاسات صحية جسيمة. فقد تسبب انقطاع التيار الكهربائي في عجز محطات التنقية عن أداء دورها وضغط المياه المعقمة في أنابيب مياه الشرب. وتدافع الآلاف إلى استخدام مياه الأنهر الملوثة بالمجاري، مما سوف يؤدي بلا شك إلى ارتفاع في حالات الأمراض المعوية والطفيلية التي تنتقل عبر المياه، مثل التيفوئيد والليشمينيا والكوليرا وسواها. غير أن غياب الرعاية الصحية وتدمير العيادات والمستشفيات سوف يفاقم هذه المشكلة ويجعل حتى تسجيلها شبه مستحيل، لعدم توافر السجلات الطبية.
- انهيار نظم جمع القمامة والنظافة العامة، بالإضافة الى الخراب والدمار الناتج عن عمليات القصف والنهب، سيؤدي إلى تدني مستوى البيئة الحضرية. ومن المتوقع انتشار القوارض والحشرات والأمراض المصاحبة لها مثل الطاعون.
- انهيار نظم الرقابة الصحية والغذائية سوف يعرض الشعب العراقي في المرحلة المقبلة إلى مخاطر تناول الأغذية الفاسدة والملوثة والمنتهية الصلاحية، مما يسفر عن مشاكل صحية تتفاوت في خطورتها.
- انهيار النظام وانتشار الفوضى أسفرا عن نهب منظم للمختبرات ومعامل الأبحاث الخاصة بوزارة الصحة والمراكز البحثية والأكاديمية. ويعرّض تداول المعدات والأدوات الملوثة ومزارع البكتيريا والفيروسات والمواد الكيميائية المشعة والخطرة الناس العاديين لخطر كبير.
الدكتور حسني الخردجي رئيس فريق الادارة المستدامة للبيئة في اللجنة الاقتصادية الاجتماعية لغرب آسيا (اسكوا). وهو كتب هذا التحليل لـ"البيئة والتنمية".
 
 
 
 

اضف تعليق
*الاسم الكامل  
*التعليق  
CAPTCHA IMAGE
*أدخل الرمز  
   
 
بندر الأخضر صديق البيئة
(المجموعة الكاملة)
البيئة والتنمية
 
اسأل خبيرا
بوغوص غوكاسيان
تحويل النفايات العضوية إلى سماد - كومبوست
كيف تكون صديقا للبيئة
مقاطع مصورة
 
احدث المنشورات
البيئة العربية 9: التنمية المستدامة - تقرير أفد 2016
 
ان جميع مقالات ونصوص "البيئة والتنمية" تخضع لرخصة الحقوق الفكرية الخاصة بـ "المنشورات التقنية". يتوجب نسب المقال الى "البيئة والتنمية" . يحظر استخدام النصوص لأية غايات تجارية . يُحظر القيام بأي تعديل أو تحوير أو تغيير في النص الأصلي. لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر يرجى الاتصال بادارة المجلة
©. All rights reserved, Al-Bia Wal-Tanmia and Technical Publications. Proper reference should appear with any contents used or quoted. No parts of the contents may be reproduced in any form by any electronic or mechanical means without permission. Use for commercial purposes should be licensed.