Wednesday 18 May 2022 |
AE2022
 
KFAS Sukleen-Averda
Environment and development AL-BIA WAL-TANMIA Leading Arabic Environment Magazine
المجلة البيئية العربية الاولى
 
 
 
تحسين يقين (الضفة الغربية) جدار الفصل العنصري  
تموز-آب (يوليو-اوغسطس) 2005 / عدد 88-89
جدار من الاسمنت المسلح يمتد 767 كيلومتراً، تقيمه قوات الاحتلال ليفصل الأراضي الفلسطينية عن الأراضي الاسرائيلية بحجة توفير الأمن لمواطنيها. تضاف اليه عشرات أبراج المراقبة الإسمنتية، ومنطقة عازلة على اتساع 30 ـ 100 متر تفسح المجال لوضع أسيجة كهربائية وخنادق وآلات تصوير وأجهزة عالية الحساسية وحركة للدوريات على امتداده. يمر الجدار من أقصى شمال الضفة الغربية في محافظة جنين حتى أقصى الجنوب في محافظة الخليل، على مسافة أمتار قليلة من البيوت والمحلات التجارية والمدارس الفلسطينية. وستؤدي اقامته إلى عزل نحو 95 ألف فلسطيني من سكان الضفة الغربية، فضلاً عن عزل 200 ألف فلسطيني في القدس الشرقية عن بقية الضفة الغربية. كما سيتم عزل 16 تجمعاً سكانياً داخل الجدار، منها 12 تجمعاً في مناطق جنين وطولكرم وقلقيلية، تضم نحو 11,300 نسمة.
أصبح لجدار الفصل والضم العنصري تاريخ. فبعد ثلاث سنوات على البدء بإقامته، والذي تزامن مع قدوم أرييل شارون الى الحكم في إسرائيل، أصبح العالم على ألفة معه. ويدفع المجتمع الدولي الفلسطينيين الى التعامل مع الجدار كأمر واقع، ناصحاً اياهم بالتكيف معه من خلال مساعدتهم في التخفيف من الآثار الناجمة عنه، خصوصاً في مجال الخدمات.
النائب قدورة فارس، مسؤول اللجنة الوطنية لمقاومة الجدار، أوضح لـ"البيئة والتنمية" أن عرض الجدار يتراوح بين 60 و150 متراً في بعض المواقع وبارتفاع يصل إلى 8 أمتار. ويضاف إليه ما يلي: أسلاك شائكة، وخندق يصل عمقه إلى أربعة أمتار وعرضه أربعة أمتار بهدف منع مرور المركبات والمشاة، وطريق للدوريات، وطريق ترابية مغطاة بالرمال لكشف الأثر، وسياج كهربائي مع جدار اسمنتي يصل ارتفاعه إلى 8 أمتار، وطريق معبدة مزدوجة لتسيير دوريات المراقبة، وأبراج مراقبة مزودة بكاميرات وأجهزة استشعار. ومن المتوقع أن يبلغ الجدار ثلاثة أضعاف حائط برلين في الطول وضعفيه في الارتفاع.
ولعل العقدة الأكثر تعقيداً هي في منطقة القدس. فمع أن قرى قلنديا والجيب وبير نبالا والجديرة وبيت حنينا البلد معزولة عن القدس أصلاً، الا انها عزلت عن مدينة رام الله شمالاً في المرحلة الأولى من جدار عزل القدس، الذي انتهى بناء المقطع الشمالي منه في أيار (مايو) 2003، وقرى شمال غرب القدس ورام الله غرباً ابتداءً من قرية بدو، نتيجة للمستوطنات والحواجز العسكرية بشتى أنواعها. واعتبر فارس ان العقلية العنصرية تمادت لفرض جدار آخر حول هذه القرى ليزيد من عزلتها ويقضي على أي مستقبل لها من جميع النواحي الاجتماعية والسكانية والاقتصادية. وإمعاناً في الجور، تفتقت العقلية العنصرية عن فكرة عزل الرام وضاحية البريد اللتين تعتبران المتنفس الوحيد المتبقي لتلك الكتلة السكانية، من خلال إنشاء جدار عنصري في وسط شارع رام الله القدس يبدأ من حاجز قلنديا (عنق الزجاجة) إلى حاجز بيت حنينا. وهذا يعني خنق أكثر من 70,000 ألف مواطن فلسطيني يعيشون بين الحاجزين وقريتي الجيب والرام غرباً وشرقاً (منهم نحو 50,000 يحملون بطاقات الهوية الزرقاء الخاصة بالقدس) ونحو 60,000 فلسطيني يعيشون في مخيم قلنديا وكفر عقب وعين أم الشرايط (منهم 30,000 يحملون البطاقات الزرقاء)، فضلاً عن عزل الرام وضاحية البريد بشكل كامل وسجن نحو 50,000 نسمة في "غيتو".
جدار على المياه الجوفية
تبلغ مساحة التغذية للحوض المائي الغربي داخل الضفة الغربية 1686 كيلومتراً مربعاً (68% من المساحة الكلية للحوض)، بينما تبلغ المساحة خارج الخط الأخضر 780 كيلومتراً مربعاً (32%) معظمها منطقة استخراج ما عدا القدس التي هي منطقة تغذية. وتبلغ المساحة غير النفاذة من هذا الحوض نحو 1379 كيلومتراً مربعاً، وتقع كلها خارج الضفة الغربية، ومعظمها منطقة مصب واستخراج. هذا ما ذكره لـ"البيئة والتنمية" الخبير المائي الدكتور أيمن الرابي من مجموعة الهيدرولوجيين الفلسطينيين، مضيفاً أن بناء الجدار سيغير تخصيص وتقسيم المساحات المذكورة ، خاصة مساحة الحوض الغربي. فالمساحة التي سيتم فصلها بواسطة الجدار، وستحبس بين الجدار والخط الأخضر، تقدر بنحو 551 كيلومتراً مربعاً. والمساحة التي ستحصر بين ذلك الجزء من الجدار الذي تم إنشاؤه والجدار الثانوي المنوي إقامته (المقترح من مجلس المستوطنات) تقدر بنحو 545 كيلومتراً مربعاً. هذا الأمر سيؤدي إلى عزل ما مجموعه 1096 كيلومتراً مربعاً من مساحات الحوض.
هكذا تسيطر إسرائيل على 70 في المئة من الحوض الجوفي الغربي، بينما تسيطر الآن على 32 في المئة من المساحة السطحية المغذية للحوض داخل الخط الأخضر. وهي تتوخى من ذلك السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الحوض، في سبيل الإبقاء على تحكمها فيه ضمن أية مفاوضات مستقبلية.
وعن أثر المرحلة الأولى من الجدار، رأى الرابي أنها ستؤدي إلى خسارة كبيرة للفلسطينيين من مياه الحوض الغربي، فيفقدون 32 بئراً و15 نبعاً تنتج بمجموعها نحو 7 ملايين متر مكعب من المياه (5,3 ملايين في قلقيلية و1,2 مليون في طولكرم). وهذه الكمية تشكل 30 في المئة من مجموع استقبال المياه الفلسطينية في هاتين المنطقتين. كما أن مئات الحواجز ونقاط التفتيش المنتشرة في الضفة الغربية وقطاع غزة لعبت دوراً رئيسياً في تقليص إمكانات الوصول إلى مصادر مياه صالحة ودائمة.
عوازل التنوع الحيوي
في الضفة الغربية منطقتان معزولتان خلف الجدار. المنطقة الغربية محصورة بين الخط الأخضر والجدار، والمنطقة الشرقية تقع في الغور شرق الحواجز والعوائق والجدار المقترح باتجاه نهر الأردن. وهذا هو الأمر الأكثر تهديداً للبيئة الطبيعية في الأراضي الفلسطينية، وسوف يساهم في تجزئة الأنظمة الايكولوجية ويؤثر على الواقع الطبيعي في الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، وفقاً للخبير البيئي الفلسطيني نادر هريمات المدير المساعد في معهد الأبحاث التطبيقية "أريج". وهو قال لـ"البيئة والتنمية" ان إقامة مناطق العزل، سواء على شكل جدار إسمنتي أو أسلاك شائكة أو مناطق مغلقة، ستؤدي إلى خلق فاصل فيزيائي يمنع التواصل الجغرافي للأرض، وواقع مناخي بيئي جديد مثل تجمع مياه الأمطار خلف الجدار، مما سيسهم في انجراف التربة والغطاء النباتي. هذا بالاضافة الى عمليات التجريف واقتلاع الأشجار المتعمد من قبل الاحتلال خلال عملية إقامة الجدار والأسلاك الشائكة والطرق الفاصلة، التي تطال الغابات والأغطية النباتية الزراعية والبرية.
فصل المناطق الشرقية والغربية سيؤدي إلى فصل 44 محمية طبيعية عن أراضي الضفة الغربية، مما يعني القضاء على التواصل الجغرافي الطبيعي للحيوانات البرية في تلك المناطق. فهناك 4404 دونمات من الأراضي الحرجية القيمة في المنطقة الغربية خلف جدار العزل، و473 دونماً في المنطقة الشرقية من منطقة العزل، وهي تساوي ما يقارب 57 في المئة من المساحة الكلية للغابات في الضفة الغربية. ولن يتمكن الفلسطينيون، وفقاً لهريمات، من الوصول إلى تلك المناطق لادارتها والحفاظ عليها. كما أن المنطقتين المعزولتين تحتويان على عدد كبير من الأنواع النباتية النادرة، وتصل كثافة الأنواع النباتية الى 23 نوعاً في كل 5 كيلومترات مربعة من منطقة العزل الشرقية و7 أنواع في منطقة العزل الغربية.
يرى هريمات أن جدار العزل يعمل على تدمير النباتات ويشكل تهديداً مباشراً للأنواع التي تنمو طبيعياً في تلك المنطقة، حيث سيخلق وضعاً بيئياً مختلفاً، لأن هذه نباتات متوطنة ومتأقلمة مع الواقع المناخي. وسيمتد التهديد ليطال الأنواع النباتية السائدة في الجزء الشرقي، وقد يحولها إلى نباتات نادرة أو منقرضة، ومنها المليح والسدر والسويدا (خورية) والصعتر والشيح. كذلك الحال للنباتات السائدة في الجزء الغربي المعزول خلف الجدار، مثل السنديان والخروب والبطم الفلسطيني والسريس والطيون وقصب المكانس والترمس البري. ذلك لأن 49,9 في المئة من منطقة التجمعات العشبية والشجيرية للضفة الغربية تقع في منطقتي العزل.
وتشكل منطقة العزل الشرقية 38,4 في المئة من الغطاء النباتي الطبيعي الذي يحتوي على الأنواع البرية للبقوليات والحبوب. ويقع 61,6 في المئة من الغطاء المعزول في المنطقة الغربية ويحتوي على السلالات البرية لأشجار الفاكهة مثل الاجاص والتفاح واللوز.
خسارة الزراعة
تبلغ المساحة الكلية للأراضي الزراعية المعرّضة للخطر في الجزء الشرقي من منطقة العزل نحو 273 ألف دونم، يزرع 19 في المئة منها بالأشجار، و73 في المئة بالخضار والمحاصيل الحقلية. كما تشكل الاراضي الزراعية المروية 7,1 في المئة من تلك المساحة، والبقية أراض زراعية بعلية. ويصل الإنتاج السنوي لتلك الأراضي إلى 135 ألف طن، بقيمة اقتصادية تصل إلى 92 مليون دولار. أما في المنطقة الغربية، فستتعرض الأراضي الزراعية الخصبة شبه الساحلية للخطر.
ويتضمن الجزء الغربي لمنطقة العزل في الضفة الغربية، كما يوضح هريمات، ما يقارب 497 ألف دونم من الأراضي الزراعية الخصبة، تشكل 29,9 في المئة من مجموع الأراضي الزراعية في الضفة الغربية. وتشكل الزراعة المروية 4,3 في المئة من تلك المساحة، منها 2000 دونم بيوت بلاستيكية، والبقية أراض زراعية بعلية.
عموماً، سيؤدي مخطط الفصل العنصري إلى انحسار الأراضي الزراعية المتوفرة والتي تشكل الدخل الأساسي للكثير من العائلات الفلاحية الفلسطينية. وفي حال اقتطاع المناطق الشرقية والغربية المنوي عزلها عن أراضي الضفة الغربية، سيخسر القطاع الزراعي 28 في المئة من مجمل مساحة أراضيه الزراعية و28,8 في المئة من إنتاجه و41,7 في المئة من دخله السنوي.
تدمير نظام الرعاية الصحية
ينسجم سوء الآثار الصحية الناجمة عن الجدار مع مجراه ومدى قربه من منطقة خط الهدنة لعام 1967. فكلما كان متعرجاً كالأفعى، أوجد اشكالاً أكثر تعقيداً للمواطنين الفلسطينيين. في شمال الضفة، يعزل الجدار عدة تجمعات سكانية تحرم من الخدمات الصحية. وفي وسط الضفة، يتم عزل عشرات العيادات والمراكز الصحية. ويزداد الوضع تعقيداً في منطقة القدس.
الدكتور مصطفى البرغوثي، مدير معهد الإعلام والسياسات الصحية والتنموية، قال لـ"البيئة والتنمية" ان بناء هذا السور خلق مجموعة من الجيوب التي تفصل عدداً من القرى والمواقع الريفية، تاركة الحد الأدنى من إمكانات الوصول إلى الخدمات الطبية والرعاية الصحية الأولية. وهذا رفع اهتمام القائمين على الرعاية الصحية بكيفية إيصال الخدمات أو تطويرها في تلك المناطق. وتظهر الخرائط التي أعدها المعهد أن 32,7 في المئة من التجمعات السكانية الفلسطينية ستحرم من الوصول إلى الخدمات الصحية بعد اكتمال البناء، نتيجة اقتطاعها ومحاصرتها بعيداً عن بقية المدن والقرى الفلسطينية.
حتى الآن، عزل الجدار 26 عيادة صحية أولية، ويتوقع عزل نحو 24 عيادة أخرى في المراحل المقبلة من بنائه. وتتولى وزارة الصحة ووكالة الغوث وبعض المنظمات الأهلية إدارة الرعاية الصحية المقدمة للمناطق المتأثرة بالجدار. ومن أهم المشاكل منع وصول المرضى إلى المراكز الصحية والمستشفيات والاختصاصيين، بالإضافة إلى اعاقة حركة الطواقم الطبية وزيادة العبء على مراكز الرعاية الصحية الأولية.
وأشار وكيل وزارة الصحة عنان المصري الى تعرقل وصول 200 ألف فلسطيني الى المراكز الصحية منذ الشروع في بناء الجدار وعزل القرى عن المدن، مما يهدد بشكل خاص المحتاجين الى رعاية فورية ويطيل مدة الشفاء ويرفع تكاليفه. وأضاف أن أوقات الانتظار الطويلة والإغلاق عند البوابات والحواجز المترتبة عن بناء الجدار تزيد من تأخير سيارات الإسعاف في الوصول إلى المرضى ومن ثم الى المستشفيات، وتعوق وصول الطواقم الطبية إلى مراكز عملهم. كما أن عزل مدينة القدس عن بقية الضفة الغربية سيؤثر بشكل كبير في نظام الصحة، اذ يواجه المرضى صعوبة في الحصول على تصاريح. ففي الماضي، كان يتم تحويل المرضى المصابين بالنوبة القلبية أو المحتاجين الى القسطرة أو العمليات الجراحية الباطنية إلى القدس. أما الآن فيضطر بعضهم الى تسلق الجدار والكتل الرملية أو السعي للعلاج في مستشفيات مصر والأردن.
ولفت وكيل الصحة الى أن الجدار والبوابات والحواجز تعيق إمكانية وصول الطواقم الطبية والمعدات، كأجهزة الاستنشاق لمرضى الربو والأدوية وحقن التطعيم وأكياس الدم ومواد التعقيم، إلى المناطق المعزولة والمتأثرة. وتتم إعاقة أو منع وصول 52 في المئة من الأطباء العاملين في أرجاء الضفة الغربية إلى أماكن عملهم في العيادات المعزولة داخل الجدار.
ويحذر جون جبران، من معهد الإعلام والسياسات الصحية والتنموية، من الأخطار التي تتهدد الأطفال والنساء والحوامل والمرضى المزمنين وذوي الاحتياجات الخاصة، نتيجة عزلهم في مناطق سكانية منفصلة عن بقية الضفة الغربية وعن الرعاية الصحية الأولية والثانوية المتخصصة. فهناك نحو 133 ألف طفل دون سن الخامسة لا يتلقون التطعيمات في الوقت المناسب، أو إطلاقاً، مما يعرضهم للأمراض في المستقبل. في العام 2003 على سبيل المثال، تلقى أكثر من 90 في المئة من الأطفال تحت سن الخامسة التطعيم ضد الحصبة، إلا أن ثلثي الأطفال فقط اكتسبوا المناعة. كذلك أفادت وزارة الصحة الفلسطينية عن عدم تمكن 117,600 امرأة حامل من الوصول إلى خدمات الرعاية قبل الولادة، أو الولادة في مستشفى، أو الرعاية بعد الولادة. وهذا الوضع الجديد أدى إلى اعتماد طرق تقليدية في الولادة.
يمنع الجدار أيضاً إمكانية الوصول إلى خدمات طبية عن نحو 10 آلاف فلسطيني يعانون من أمراض مزمنة مثل السكري وضغط الدم المرتفع ويحتاجون الى غسيل الكلى والعلاج الكيميائي، مما يهدد حياتهم. وقد روى مريض في الرابعة والستين من عمره من قرية أبو ديس مأساته: "أذهب إلى مستشفى المطلع ثلاث مرات أسبوعياً لغسل الكلى، ويستمر العلاج أربع ساعات في كل جلسة. عليّ أن أكون هناك في السابعة صباحاً لكي يتم ربطي إلى الماكينة. قبل ثلاثة أيام كنت متعباً للغاية، لم أتمكن من المشي، وكان علي تسلق الجدار. في الماضي كنت أصل إلى المستشفى خلال عشر دقائق بالسيارة، هذا غير ممكن اليوم".
آثار اجتماعية وتربوية
مثال صارخ لخطورة الجدار العازل على الوضع الاجتماعي هو قرية بيت حنينا، التي تنقسم إلى قسمين، غربي هو بيت حنينا البلد وشرقي هو بيت حنينا الجديدة، تفصلهما مسافة 700 متر. فنجد مثلاً أخاً يملك منزلاً في القسم الغربي وأخاً يسكن في القسم الشرقي. وهذا يعني أن بناء المرحلة الثانية من جدار العزل العنصري سيفصل بين الجزئين، وبين أفراد العائلة، مع أنهم يسكنون في القرية نفسها.
الحاج محمد من قرية قلنديا البلد يستخدم جراراً زراعياً ليفلح أرضه التي تبعد عن بيته أقل من 500 متر. كان يقطع المسافة خلال خمس دقائق أو أقل، لكن بعد بناء الجدار العازل أصبح مضطراً للتوجه إلى أرضه من خلال حاجز قلنديا، مستغرقاً أكثر من ساعتين.
وفي مخيم قلنديا، الذي لا يبعد عن القرية سوى بضع مئات من الأمتار، يجلس الحاج إبراهيم في المقهى يشكو ما آلت إليه حاله. انه في الستين من عمره، وكان يعمل في منشرة حجار في قرية قلنديا، لكن بسبب الحاجز والجدار الفاصل لم يعد يستطيع الوصول إلى عمله.
هاتان الحالتان من أبسط الحالات الإنسانية المتأثرة بالجدار الذي تقيمه إسرائيل لعزل الفلسطينيين في معازل عنصرية لم يشهد التاريخ لها مثالاً الا ربما في جنوب افريقيا قبل التحرر. وهما ناجمتان عن المرحلة الأولى من هذا الجدار، ولا يستطيع الحاجّان أن يتصورا الوضع بعد المرحلة الثانية.
ويضيف الجدار صعوبات كبيرة إلى الصعوبات الحالية التي تواجه وزارة التربية والتعليم العالي، بسبب اعاقة انتقال عدد من المعلمين وطلاب المدارس والجامعات، مما سيؤدي إلى حرمان عدد كبير من الناشئة حقهم في التعليم. وأكبر مشكلة تواجهها التجمعات التي لا مدارس فيها. وفي حديث الى "البيئة والتنمية" ذكر وزير التربية والتعليم العالي نعيم أبو الحمص أن المعلمين يتعرضون لمضايقات تحول دون وصولهم إلى مدارسهم في معظم الأيام، وذلك باستخدام حجج متنوعة، حيث يتم احتجازهم على أبواب الجدار لعدة ساعات، والتعرض لهم بالألفاظ النابية، والاصرار على التفتيش الجسدي وخاصة للمعلمات من قبل الجنود على الحاجز. ويضيف الوزير أبو الحمص أن هذه الإجراءات العنصرية تؤدي إلى عدم انتظام العملية التعليمية في المدارس.
العوض على الله
ذكرت مصادر إسرائيلية مؤخراً أن فلسطينيين صودرت أراضيهم لبناء جدار الفصل في الضفة الغربية سيعوَّضون بأراضٍ بديلة أو تعويضات، وانه يتم تشكيل لجنة مسؤولة عن تنسيق تبادل الأراضي مع هؤلاء المتضررين. وحسب رئيس إدارة "مجالس التماس" العقيد الاحتياطي داني تيرزة، فإن اللجنة تعنى بتحديد معايير التبادل كي تعرض على السكان أراضي مجاورة تكون لها مكانة "أراضي دولة".
وأثناء المداولات سأل القاضي ميشال حشين، نائب رئيس المحكمة الإسرائيلية العليا، إذا كانت إسرائيل تدفع تعويضات وبدل استخدام لأراضي السكان الذين صودرت منهم بأوامر وضع اليد. فأجاب تيرزة أن ضابط أركان يعمل في الإدارة المدنية والجيش الإسرائيلي مهمته تحديد قواعد التخمين التي تدفع بموجبها التعويضات.
وحسب تيرزة، يوجد في وزارة المال الإسرائيلية صندوق تصل إليه الأموال من إدارة الجدار، وتدفع منه التعويضات وبدل الاستخدام للفلسطينيين أصحاب الأرض على أساس دوري، والأموال التي تدخل الصندوق مقسمة حسب القرى. غير أن ممثلي النيابة الإسرائيلية أشاروا في المداولات إلى أن الغالبية المطلقة من الفلسطينيين الذين وضعت اليد على أراضيهم لا يرفعون مطالب تعويض إلى إدارة الجدار، لأن "من يطلب ذلك يعد خائناً في أوساط الفلسطينيين".
وزير الدولة الفلسطيني المكلف بملف جدار الفصل الدكتور أحمد مجدلاني نفى لـ"البيئة والتنمية" ما تناقلته وسائل الإعلام الإسرائيلية. وقال إن الجدار غير شرعي، وبالتالي فإن الحديث عن تبادل الأراضي والتعويضات هو هراء، لأن الفلسطينيين لا يعترفون بالجدار أصلاً.
التظاهرات يومية في المناطق التي يقطع الجدار العنصري أوصالها ويعزلها عن محيطها الطبيعي والاقتصادي والسكاني، في محاولة تستهدف في الحقيقة قضم أراضي الفلسطينيين وحرمانهم من اقامة دولة قادرة على الحياة. في تموز (يوليو) 2004 قضت محكمة العدل الدولية في لاهاي بأن الجدار "غير شرعي"، في حكم غير ملزم لاسرائيل، التي تصر على إكمال مشروع "الجدار الأمني" الذي يتوقع أن يبلغ طوله نحو 700 كيلومتر. لكن العالم، بعدما هلل لسقوط جدار برلين في ألمانيا والفواصل العنصرية في جنوب افريقيا، يقف اليوم غير عابئ ببناء جدار عنصري "عصري" في فلسطين. لذا، من أولى أولويات السلطة الفلسطينية الضغط محلياً ودولياً لاسقاط ما تم بناؤه من هذا الجدار ووقفه قبل اكتماله وفرضه أمراً واقعاً ونهائياً.
كادر
احتجاج بالأكفان ضد الجدار
يحاول أهالي قرية بلعين الواقعة غرب مدينة رام الله ابتكار أساليب سلمية للتعبير عن رفضهم للجدار الذي تواصل اسرائيل بناءه على أراضيهم، ولاستنهاض الرأي العام الدولي. فبعد صلاة الجمعة في 27 أيار (مايو) 2005، حمل نحو 300 متظاهر من أهالي القرية عشرة اكفان بداخلها شبان احياء، وتوجهوا الى منطقة الاحتكاك شبه اليومية غرب القرية. وكتبت على كل كفن بالعربية والانكليزية والعبرية كلمات "الحرية، الاستقلال، الانسانية، الحياة، الارض، الدولة، الأمل، المستقبل، الاقتصاد، العدالة"، في اشارة الى ان الجدار الفاصل انما يتسبب في قتل كل هذه المفاهيم.
ووقف المتظاهرون على مسافة امتار من الجيش الاسرائيلي الذي يتولى حراسة الجرافات والعاملين في بناء الجدار، ونصبوا مشنقة ترمز الى الجدار، ومثلوا عملية شنق للأكفان أمام الجنود. وأمام منصة الاعدام الرمزية علقت لافتة كتب عليها بالانكليزية "جدار الفصل العنصري: المرحلة النهائية لسياسة اسرائيل التوسعية.
وليست هذه المرة الاولى التي يقوم فيها أهالي قرية بلعين بمثل هذا النشاط السلمي، الا انها المرة الاولى التي لم يتدخل الجيش الاسرائيلي فيها لقمع التظاهرة. وتزداد اعداد المتضامنين الاجانب يوماً بعد يوم مع أهالي القرية ضد الجدار. فقبل أسبوع وضع خمسة أجانب أجسادهم في براميل فتحت من الجانبين، ووضعت البراميل امام الجرافات الاسرائيلية حيث تم اعتقال الخمسة وبينهم اسرائيلي. وقبل أقل من شهر ربط المتظاهرون أنفسهم بسلاسل الى أشجار الزيتون تعبيراً عن تمسكهم بأرضهم، واعتقل عدد منهم اطلقوا بعد حين.
الجدار العنصري... حقائق وأرقام
المرحلة الأولى: شمال الضفة الغربية (انتهت في أيلول / سبتمبر 2003)
امتد الجدار في هذه المرحلة من قرية العقبة شمال غرب مدينة طوباس(جنين) شمالاً، والتفّ بموازاة الخط الأخضر داخل حدود الضفة الغربية من جهة الغرب حتى جنوب مدينة قلقيلية. طوله 171 كيلومتراً، ومساحته 120 كيلومتراً مربعاً. وقد عزل 20 تجمعاً سكانياً فلسطينياً بمجموع 15,300 نسمة غرب الجدار. وتتأثر به بشكل مباشر، من حيث الأراضي والأعمال، 47 تجمعاً سكانياً فلسطينياً تقع شرق الجدار بمجموع 224,000 نسمة. وتحتوي الأراضي المعزولة غرب الجدار على 10 مستوطنات إسرائيلية غير شرعية حسب القانون الدولي.
المرحلة الثانية: وسط الضفة الغربية (أقرت في تشرين الأول / أكتوبر 2003)
تمتد هذه المرحلة من جنوب قلقيلية غرباً وبموازاة الخط الأخضر شرقاً، لتدخل في العمق الشرقي نحو 22 كيلومتراً في منطقة سلفيت وتصل الى مشارف مدينة نابلس. ثم يتلوى الجدار جنوباً ليصبح مزدوجاً في وسط الضفة الغربية، بحيث يحاصر التجمعات الفلسطينية ويحولها إلى معازل عنصرية، ويكمل تلويه في جنوب الضفة الغربية متجهاً نحو الشرق. طول الجدار في هذه المنطقة 445 كيلومتراً، ومساحته 790 كيلومتراً مربعاً. وهو يعزل 79 تجمعاً سكانياً فلسطينياً بمجموع 134,000 نسمة غرب الجدار. ويتأثر به بشكل مباشر، من حيث الأراضي والأعمال، 73 تجمعاً سكانياً فلسطينياً تقع شرق الجدار بمجموع 400,000 نسمة. وتحتوي الأراضي المعزولة غرب الجدار على 51 مستوطنة إسرائيلية غير شرعية حسب القانون الدولي.
المرحلة الثالثة: شرق الضفة الغربية (مقترحة وقيد الدراسة)
تعتبر هذه المرحلة تطبيقاً لـ"خطة ألون" التي اقترحها بعد حرب 1967 بشأن منطقة الأغوار الفلسطينية، اذ إن السياسة الإسرائيلية العنصرية لا ترغب بوجود اتصال بين الضفة الغربية والمحيط العربي، وذلك بالسيطرة على الأراضي الواقعة غرب نهر الأردن والبحر الميت. طول الجدار هنا 151 كيلومتراً، ومساحته 1685 كيلومتراً مربعاً. وسوف يتم عزل مدينة أريحا وما حولها من تجمعات سكانية فلسطينية كلياً عن بقية المدن والقرى الفلسطينية، فتصبح كالجزيرة في الأراضي التي تسيطر عليها الدولة العبرية. وفي هذه المرحلة وحدها تسيطر إسرائيل على أكثر من ثلث مساحة الضفة الغربية. ومن المقرر، بحسب الحكومة الإسرائيلية، السيطرة على أكثر من 45 في المئة من مساحة الضفة الغربية. 
 
 
 
 

اضف تعليق
*الاسم الكامل  
*التعليق  
CAPTCHA IMAGE
*أدخل الرمز  
   
 
بندر الأخضر صديق البيئة
(المجموعة الكاملة)
البيئة والتنمية
 
اسأل خبيرا
بوغوص غوكاسيان
تحويل النفايات العضوية إلى سماد - كومبوست
كيف تكون صديقا للبيئة
مقاطع مصورة
 
احدث المنشورات
البيئة العربية 9: التنمية المستدامة - تقرير أفد 2016
 
 
 
ان جميع مقالات ونصوص "البيئة والتنمية" تخضع لرخصة الحقوق الفكرية الخاصة بـ "المنشورات التقنية". يتوجب نسب المقال الى "البيئة والتنمية" . يحظر استخدام النصوص لأية غايات تجارية . يُحظر القيام بأي تعديل أو تحوير أو تغيير في النص الأصلي. لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر يرجى الاتصال بادارة المجلة
©. All rights reserved, Al-Bia Wal-Tanmia and Technical Publications. Proper reference should appear with any contents used or quoted. No parts of the contents may be reproduced in any form by any electronic or mechanical means without permission. Use for commercial purposes should be licensed.