ظلّت أعماق البحار لعقود طويلة بمنأى عن الاستغلال البشري المكثّف، غير أن تطور تقنيات الصيد دفع الأساطيل البحرية إلى التوسع نحو المياه العميقة. وفي البحر المتوسط يرتبط الصيد في الأعماق أساساً باستهداف الروبيان الأحمر ذي القيمة التجارية العالية، حيث تتركز أنشطة الصيد بين 500 و800 متر، وهي الأعماق التي ما تزال تحقق مردودية اقتصادية.
ومنذ سنة 2005، فرضت الهيئة العامة لمصايد أسماك البحر المتوسط التابعة للأمم المتحدة حظراً على الصيد بشباك الجر القاعي على أعماق تتجاوز 1000 متر في البحرين المتوسط والأسود، بهدف حماية النظم البيئية الهشة في الأعماق. غير أن المعطيات العلمية المتراكمة خلال العقدين الأخيرين أظهرت أن العديد من الموائل البحرية الحساسة توجد على أعماق أقل من ذلك، ما دفع العلماء والمنظمات البيئية إلى المطالبة بخفض العتبة إلى 800 متر واعتماد مقاربة احترازية أكثر فعالية.
ولا يتعلّق النقاش الحالي داخل الهيئة بمجرد تعديل تقني لعمق الصيد، بل يعكس رؤيتين مختلفتين لمستقبل البحر المتوسط: الأولى تعتبر الأعماق مورداً اقتصادياً قابلاً للاستغلال، والثانية تنظر إليها باعتبارها رأسمالٍ طبيعياً مشتركاً يجب الحفاظ عليه للأجيال المقبلة.
فالصيد بشباك الجر القاعي يعدّ من أكثر وسائل الصيد تدميراً للبيئات البحرية العميقة، إذ يمكن لعدد محدود من السفن المزودة بمحركات قوية ومعدات متطورة أن يُلحق أضراراً بموائل استغرقت قروناً لتتشكل، مثل الشعاب المرجانية الباردة والإسفنجيات العميقة. وتتركز هذه الأنشطة أساساً في إيطاليا وإسبانيا واليونان وتركيا.
ويؤكد العلماء أن اعتماد عتبة 800 متر يستند إلى معطيات علمية واضحة. فعدد السفن القادرة على العمل قرب عمق 1000 متر لا يتجاوز 4 إلى 5 في المئة من مجموع أسطول الجر المتوسطي، أي حوالي 400 سفينة فقط من أصل أكثر من 8700 سفينة مسجلة. كما تشير الدراسات إلى أن الأثر الاقتصادي لتقليص العمق سيظل محدوداً، مقابل المكاسب البيئية الكبيرة التي تشمل حماية أكثر من 100 ألف كيلومتر مربع من النظم البيئية العميقة والحفاظ على المخزون السمكي والحدّ من تدهور الموائل الحساسة.
ويحذّر الغواصون والفاعلون البيئيون من أن آثار الجر القاعي أصبحت واضحة في العديد من المناطق، حيث يؤدي تدمير قاع البحر إلى اختفاء أنواع بحرية وتراجع التنوُّع البيولوجي وتدهور الشعاب المرجانية ومروج الأعشاب البحرية. ويؤكدون أن الانتقال من منطق الاستغلال المفرط إلى منطق الاستدامة يقتضي تعزيز المراقبة البيئية، ودعم البحث العلمي، وتوسيع المناطق البحرية المحمية، مع إشراك المجتمعات الساحلية في تدبير الموارد البحرية.
ورغم تنامي الدعم العلمي والإقليمي لاعتماد عتبة 800 متر، ما يزال القرار السياسي متأخراً عن المعطيات العلمية. ففي حين أعلنت بعض الدول، مثل مصر وليبيا، دعمها لتشديد القيود البيئية على الصيد في الأعماق، ما تزال المفاوضات داخل المؤسسات الإقليمية تراوح مكانها تحت ضغط الاعتبارات الاقتصادية والسياسية.
ويزداد هذا التأخر وضوحاً إذا ما قورن بالسياسات المعتمدة في شمال شرق المحيط الأطلسي، حيث جرى تطبيق تدابير مماثلة منذ سنوات. كما أن الجدل الذي رافق قمة الأمم المتحدة للمحيطات في نيس أعاد طرح السؤال نفسه: هل تكفي الإعلانات السياسية لحماية البحار إذا استمرت الأنشطة الأكثر تدميراً داخل المناطق المعلنة كمحميات بحرية؟
وتشكّل أعماق البحر المتوسط خزاناً للتنوُّع البيولوجي ومخزناً طبيعياً للكربون، إذ يؤدي اضطراب الرواسب البحرية إلى إطلاق كميات من الكربون المخزّن، مما يضعف دور المحيط في تنظيم المناخ. لذلك أصبحت حماية الأعماق قضية بيئية ومناخية في آن واحد.
ويعدّ البحر المتوسط من أكثر البحار هشاشة وسرعة في الاحترار على مستوى العالم، ما يجعل التأجيل مرادفاً لاستمرار استنزاف نظم بيئية بطيئة التعافي. ولذلك يرى العلماء أن اعتماد عتبة 800 متر، مع تشديد الحماية في المناطق الأكثر حساسية، يمثّل خطوة ضرورية لضمان مستقبل هذا البحر المشترك.
وفي النهاية، لن تقاس مصداقية الالتزامات الدولية بحماية المحيطات بما يُعلن في المؤتمرات، بل بما ينفّذ فعلياً في أعماق البحر.
محمد التفراوتي صحافي وناشط بيئي مغربي