أبوظبي 8 تموز (يوليو) 2026: أنجزت هيئة البيئة–أبوظبي مشروعها متعدد الأعوام لرسم خرائط موائل المحّار، مقدمةً الفهم العلمي الأشمل حتى اليوم لتوزيع هذه الموائل في المياه البحرية للإمارة.
ووضع تصميم مشروع المسح الميداني في عام 2022، وبدأ تنفيذ الأعمال الميدانية بين عام 2023 ونهاية عام 2025. ويعكس المشروع التزام الهيئة المتواصل بتعزيز الحوكمة البيئية القائمة على العلم، وترسيخ المكانة الرائدة لأبوظبي في مجال الحوكمة البيئية البحرية على مستوى المنطقة. ومن خلال الجمع بين الموروث المعرفي والمنهجيات العلمية المتقدمة، أسهمت هذه المبادرة في تأسيس قاعدة مرجعية قوية لأحد أهم الموائل البحرية في الإمارات من الناحيتين الثقافية والبيئية.
وطوّر المشروع بعد المسح الذي نفذته الهيئة للمياه العميقة عام 2021، والذي حدد مناطق بحرية ذات أهمية بيئية كبيرة، وكشف عن وجود غير متوقع لموائل المحّار في مياه أبوظبي. واستناداً إلى تلك النتائج، صممت الهيئة في عام 2022 مسحاً متخصصاً لموائل المحّار بهدف رسم خرائط هذه الموائل بشكل منهجي وعلى نطاق واسع.
واعتمد المسح على خمسة مصادر بيانات حددت خلال مرحلة التصميم في عام 2022، شملت نتائج مسح المياه العميقة لعام 2021، وخرائط الغوص التقليدية الخاصة بصيادي اللؤلؤ من ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وبيانات تتبع سلاحف منقار الصقر، نظراً لارتباط هذا النوع المهدد بالانقراض بموائل المحّار، إضافة إلى مواقع إعادة تأهيل المحّار، والمعارف المستمدة من أفراد المجتمع المحلي من ذوي الخبرة.
وانطلاقاً من 335 نقطة مستهدفة أولية من مغاصات اللؤلؤ، وسعت الفرق الميدانية نطاق المسح في جميع الاتجاهات إلى أن تعذر تأكيد وجود المحّار، باستخدام كاميرات تصوير تحت الماء، وتطبيق ميداني لجمع البيانات بشكل فوري مرتبط مباشرة بقاعدة بيانات الهيئة. وأتاحت هذه المنهجية تحديد حدود كل موئل محّار بشكل دقيق ومنهجي، بدلاً من الاعتماد على الافتراضات، ما أسهم في إعداد أكثر الخرائط دقة وتوثيقاً لتوزيع موائل المحّار في المنطقة.
واستناداً إلى المعرفة المتوارثة عبر الأجيال، استلهم المشروع أيضاً الإرث البحري للمجتمعات الساحلية في أبوظبي، حيث جرى دمج الخرائط التاريخية المستندة إلى خبرات الغواصين التقليديين مع بيانات المسح الحديثة، والتتبع بالأقمار الاصطناعية، والمشاهدات الميدانية، بما جمع بين قرون من المعرفة المتوارثة والعلم الحديث. وأكدت النتائج الأخيرة للهيئة أن موائل المحّار أوسع انتشاراً مما كان مسجلاً سابقاً.
ومن خلال مسح ميداني واسع امتد لنحو 12,000 كيلومتر، قيّمت الهيئة 1,088 موقعاً في مياه أبوظبي، وتم تأكيد وجود المحّار في 334منها. وتمثل هذه المواقع مجتمعة مساحة تبلغ نحو 3,314 كيلومتراً مربعاً، أي ما يعادل نحو 7 في المئة من البيئة البحرية للإمارة.
وتؤدي موائل المحّار دوراً مهماً في دعم التنوُّع البيولوجي البحري، إذ توفّر موائل ومناطق تغذية لعدد كبير من الأنواع في السلسلة الغذائية البحرية. وكعنصر طبيعي فاعل في تشكيل النظم البيئية، يسهم المحّار في تعزيز صحة البيئات البحرية ومرونتها. ورصدت فرق الهيئة علاقة مباشرة بين مواقع موائل المحّار والتجمعات الكبيرة للأسماك، إضافة إلى مشاهدات الحيتان في المناطق المجاورة، ما يكشف عن دورها الأساسي في تماسك المنظومة البيئية البحرية الأوسع.
وإلى جانب دوره البيئي، يسهم المحّار في تخزين الكربون، إذ يمتص الكربون المذاب من مياه البحر لإنتاج كربونات الكالسيوم التي تشكل أصدافه. وتعمل هذه العملية البيولوجية على احتجاز الكربون ضمن الأنظمة البحرية مع مرور الوقت، ما يمنح موائل المحّار دوراً مهماً في دعم التوجهات البيئية لدولة الإمارات ومسارها نحو الحياد المناخي بحلول 2050.
ولأجيال متعاقبة، امتلكت مجتمعات أبوظبي الساحلية فهماً عميقاً لهذه المياه، ومعرفة دقيقة بمواقع موائل المحّار وكيفية تفاعل الحياة البحرية معها. وما أتاحه هذا المشروع هو تحويل هذه المعرفة إلى نتائج موثقة على نطاق واسع باستخدام المنهجيات العلمية. ومن خلال الجمع بين المسوحات الميدانية والتحليل المتقدم للبيانات، أكّدت الهيئة وجود هذه الموائل، وحددت أيضاً امتدادها وكثافتها الحقيقية في مياه أبوظبي. ويؤكد حجم ما تم رسم خرائطه مدى غنى وترابط هذه النظم البيئية البحرية.
وتوفّر هذه النتائج قاعدة علمية بالغة الأهمية لإدارة البيئة البحرية في أبوظبي وحمايتها على المدى البعيد. وخلال المرحلة المقبلة، تعتزم الهيئة تطوير برامج مراقبة متخصصة، والسعي نحو تصنيف محميات بحرية جديدة استناداً إلى نتائج المسح، وضمان حماية هذه الموائل الحيوية للأجيال القادمة. ومع زيادة فهم الإمارة لمنظومتها البيئية البحرية، يغدو هذا المشروع شاهداً على ما يمكن تحقيقه عندما تجتمع المعرفة التقليدية، والدقة العلمية، والالتزام طويل الأمد.