Thursday 09 Dec 2021 |
AE2016
 
KFAS Sukleen-Averda
Environment and development AL-BIA WAL-TANMIA Leading Arabic Environment Magazine
المجلة البيئية العربية الاولى
 
 
مقالات
 
بوغوص غوكاسيان (سادبوري) عودة الحياة الى سادبوري  
كانون الأول 2012 / عدد 177
 كانت منطقة سادبوري في مقاطعة أونتاريو الكندية، على بعد 400 كيلومتر شمال مدينة تورونتو، من أوائل مناطق العالم التي عانت الآثار الضارة للتنمية الصناعية غير المستدامة. كما كانت من أوائل المناطق التي أدركت الأخطاء وصممت على تصحيحها.
تضم سادبوري أحد أكبر احتياطات خامات النيكل المعروفة على الأرض، على مساحة أكثر من 60 كيلومتراً مربعاً. وبذلك اكتسبت لقب «عاصمة النيكل العالمية». لكن عمليات التعدين وقطع الأشجار طوال قرن حوَّلتها أرضاً غير صالحة للسكن. ووُصفت بسطح القمر لخلوها من مظاهر الحياة، إذ كانت تشاهد من الفضاء الخارجي متشحة بالسواد. حتى أن رواد المركبة الفضائية «أبولو 16» أجروا تمارينهم فيها عام 1971 قبل الهبوط على سطح القمر.
وكان انتشار الأشجار في الماضي كثيفاً، فلفتت انتباه تجار الأخشاب الذين جردوا المنطقة منها تماماً، ما أدى الى خسارة التنوع البيولوجي وانجراف التربة وأضرار بيئية أخرى. وتشير السجلات الى أن نحو 11 ألف قاطع أشجار غزوا غابات سادبوري في أواخر ثمانينات القرن التاسع عشر.
ومع اكتشاف النيكل، وجهت عمليات التعدين والصهر المبكرة خلال الفترة 1886 _ 1929  ضربة مدمرة ثانية الى البيئة. وكانت الصخور الغنية بالنيكل ومعادن أخرى تحرق في ساحات مكشوفة وتغطي المنطقة بسحب من الدخان الحمضي الناجم عن غاز ثاني أوكسيد الكبريت، ما أدى الى تدمير ما تبقى من الغطاء الأخضر، وتحمُّض المياه العذبة في كثير من بحيرات المنطقة. وهذا أدى بدوره الى نفوق الأسماك وغيرها من الكائنات المائية.
تسبب حرق الصخور الغنية بالمعادن طوال 40 عاماً بانطلاق 100 مليون طن من غاز ثاني أوكسيد الكبريت، ما أضر بصحة سكان سادبوري، فضلاً عن الأضرار البيئية الكارثية. وحالت هذه العمليات السابقة، إضافة إلى انبعاثات مصاهر المعادن في ثلاثة مواقع (كوبر كليف، فالكونبريدج، كونيستون) دون التجدد الطبيعي للغابات حتى أوائل سبعينات القرن العشرين. وتم تجريد نحو 200 كيلومتر مربع حول سادبوري من الغطاء النباتي تماماً.
لكن سادبوري، التي يبلغ عدد سكانها 200 ألف نسمة، باتت الآن مدينة عصرية صديقة للبيئة. وأصبح النظام الإيكولوجي المحيط بها يمثل حالة تغيير الى الأفضل، نتيجة جهود إعادة التخضير والتجديد التي استمرت أكثر من 30 عاماً، فضلاً من تخفيض كبير للانبعاثات.
كيف حدث الانتعاش البيئي؟
في أوائل سبعينات القرن العشرين، ارتفع الوعي البيئي في العالم، وأدت سادبوري دوراً فعالاً في هذا الاتجاه من خلال ثلاثة إجراءات بيئية هامة. الأول هو مكافحة تلوث الهواء، من خلال إنشاء «المدخنة العملاقة» في مصهر المعادن التابع لشركة «إنكو» في كوبر كليف عام 1972، وهو أحد المصاهر الثلاثة في سادبوري. كانت هذه أعلى مدخنة في العالم (381 متراً) آنذاك، وهي حلت مشكلة انبعاثات ثاني أوكسيد الكبريت والمعادن الثقيلة والجسيمات الخطرة الناتجة عن عملية الصهر وضررها على المستوى المحلي.
أما الاجراء الثاني فكان إعادة تخضير الغابات بمشاركة المجتمع المحلي، بعدما اكتُشف أن إدخال تعديلات طفيفة على التربة يمكن أن يحيي الحياة النباتية. وكان الإجراء الثالث حماية مصادر المياه من التلوث.
اليوم، أضفت نتائج هذه الاجراءات جمالاً على المنطقة، وأعادت المياه النظيفة الى بحيرات سادبوري الـ219، وأغنت التنوع البيولوجي وعززت صحة النظم الإيكولوجية.
تنقية الهواء وتخضير الأرض
في العام 1967، أقرت حكومة أونتاريو قانون تلوث الهواء، وفرضت مقاييسه المتعلقة بالانبعاثات. وكانت استجابة شركات النيكل الثلاث إيجابية، إذ عمدت الى تحسين عمليات الإنتاج في مصاهرها. على سبيل المثال، بنت شركة «إنكو» مدخنتها العملاقة عام 1972، وأتبعتها عام 1991 بالفرن الأوكسيجيني الذي استوعب 90 في المئة من انبعاثاتها الكبريتية. وقد خفضت إجراءات الشركات الثلاث كمية الملوثات المتساقطة على سادبوري بمقدار الثلثين، وبدأت المدينة تسجل معدلات تلوث أقل مما في مدن صناعية أخرى في كندا، مثل هاملتون وتورونتو.
وكانت خسارة الغطاء النباتي والتعرض الطويل الأمد لسحب الدخان المنبعثة من المصاهر وساحات حرق الخامات المعدنية أدت الى تفاقم أحوال التربة ومنع النمو الطبيعي للغابات حتى أواخر سبعينات القرن العشرين. وفي العام 1978 بدأت إحدى أكبر حملات إعادة التخضير التي تولاها سكان محليون على أراض شوهها النشاط الصناعي. فخلال صيف تلك السنة، بادر 174 تلميذاً إلى زرع العشب على مساحة 115 هكتاراً من الأراضي القاحلة، وغرسوا 6000 شجرة، وجمعوا 365 كيلوغراماً من بذور الأشجار المحلية، وأعدوا 122 قطعة أرض للتشجير الاختباري. وكانت تلك انطلاقة مشجعة جداً لجهود إعادة التحريج.
وازدادت أعداد المشاركين في غرس الأشجار. فغرس تلاميذ وكشافة ومتطوعون آلاف الشتول كل سنة، يشجعهم منظر سادبوري الجديد الأكثر اخضراراً، حتى وصل العدد الى مليون شجرة عام 1990.
وفي «قمة الأرض» التي عقدت في ريو دي جانيرو عام 1992، تم تكريم سادبوري بجائزة الشرف التي تمنحها الأمم المتحدة الى الحكومات المحلية تقديراً لبرامجها المتعلقة باستصلاح الأراضي. ومع نهاية العام 2008، كان العشب منتشراً على امتداد أراض مساحتها أكثر من 3400 هكتار، وغُرس أكثر من 11 مليون شجرة، وأصبحت مساحة الأراضي القاحلة التي أعيد اليها غطاؤها النباتي حول المصاهر الثلاثة أكثر من 18 ألف هكتار. وما زال برنامج إعادة التخضير مستمراً، ويتوقع غرس خمسة ملايين شجرة إضافية مع حلول سنة 2015. وفي هذه الأثناء، وبعملية التجدد الطبيعي، نمت ملايين الأشجار والنباتات الجديدة في المنطقة.
أثبتت سرعة تجدد النظام الايكولوجي في سادبوري إمكانية عكس التدهور البيئي. وأصبحت قصص نجاحها في إعادة الطبيعة الى وضعها الأصلي مثالاً يحتذى في إصلاح المناطق الصناعية المنكوبة في الصين والهند وروسيا وسواها من البلدان.
حماية مصادر المياه
شكل «شفاء» 219 بحيرة ومصادر مياه أخرى في سادبوري الكبرى تحدياً للمجتمع والسلطات المحلية. فقد أدرك الجميع أن حماية مياههم في المصدر وسيلة لضمان سلامة التجمعات السكانية والنظم الإيكولوجية والاقتصاد، ولحماية نوعية المياه وكميتها. وصممت سلطات سادبوري ونفذت خططاً لحماية المياه في المصدر. وعملت مع متطوعين وجمعيات أهلية ومدارس وبلديات وصناعات وقطاعات أخرى على حماية مستجمعات المياه والأراضي التي تجاورها وإعادة تأهيلها.
ومن أهم الاجراءات التي تم اتخاذها تصميم مواقع مطامر النفايات بشكل يمنع ارتشاح الملوثات الى التربة والمياه الجوفية. وطبقت على المستوى المنزلي إدارة صحيحة للنفايات الصلبة والنفايات الخطرة. ومُنع غسل السيارات إلا في المحطات المتخصصة. واعتُمدت تقنيات حصاد مياه الأمطار وتقليص الكمية المهدرة في الشوارع، وإعادة استعمال المياه الرمادية، والصيانة المنتظمة للحفر الصحية.
وطُبقت سياسات حكيمة لإدارة الأعمال الزراعية تجنباً لتلويث مصادر المياه، مع ضبط عمليات التسميد ورش المبيدات ومصادر التلوث الأخرى. وتم توجيه الصناعات والشركات لمراجعة عملياتها بغية تخفيض حجم وسمِّية الملوثات التي تولدها، وذلك بتطبيق مبادئ الإنتاج الأنظف التي تشمل تعديل العمليات وتحسين تركيبة المنتجات وتطوير تكنولوجيات جديدة.
كان الأثر التراكمي لهذه الاجراءات إيجابياً جداً خلال فترة تزيد على 30 عاماً. فقد عادت المستجمعات المائية السطحية في سادبوري الى حالتها الطبيعية، وعادت إليها الأسماك والأحياء المائية الأخرى.
اختبار التربة
بعد 30 عاماً من العمل على إعادة تأهيل سادبوري، أجرى عدد من الباحثين المستقلين دراسة مفصلة للتربة، لتحديد ما إذا كانت مستويات المعادن في بيئة المنطقة التي شملتها الدراسة تشكل خطراً على الناس والنباتات والحيوانات. وغطت الدراسة، التي استمرت من 2002 الى 2008، منطقة مساحتها 40 ألف كيلومتر مربع. وأجري تحليل مكثف لأكثر من 14 ألف عينة تربة وغبار ومياه وهواء وخضار وماء شرب ومواد غذائية، تم جمعها من المنطقة لمعرفة مستويات 20 مادة كيميائية مختلفة.
وصدرت الدراسة عام 2008 تحت عنوان «تقييم المخاطر الصحية البشرية». وكان استنتاجها الرئيسي أن «هناك خطراً ضئيلاً من تأثيرات صحية على سكان منطقة سادبوري الكبرى ترتبط بالمعادن الستة المقلقة في بيئة المنطقة، وهي الزرنيخ والنحاس والكوبالت والرصاص والنيكل والسيلينيوم». وصدرت دراسة أخرى عام 2009 بعنوان «تقييم المخاطر الإيكولوجية»، بينت أن «التعرض للمعادن نتيجة انبعاثات المصاهر لا يشكل حالياً خطراً مباشراً على الحياة البرية في سادبوري الكبرى، ومن غير المتوقع أن يحدث ذلك في المستقبل».
لقد نجح إحياء البيئة في سادبوري. ويستمر استكمال هذه الجهود بمبادرات بيئية ومجتمعية متواصلة، لتصبح سادبوري مدينة مستدامة ومعافاة.
 
 

التعليقات
 
Judita
I really wish there were more aricelts like this on the web.
Ebony
The forum is a brghtier place thanks to your posts. Thanks! http://ejzykzpcux.com [url=http://qatlrvu.com]qatlrvu[/url] [link=http://zbeojcfgg.com]zbeojcfgg[/link]
Jennica
Frankly I think that′s abletulosy good stuff. http://kldrzw.com [url=http://nfdyqpz.com]nfdyqpz[/url] [link=http://injdfclmznx.com]injdfclmznx[/link]
 
 

اضف تعليق
*الاسم الكامل  
*التعليق  
CAPTCHA IMAGE
*أدخل الرمز  
   
روما ـ «البيئة والتنمية» خطر عائم
 
بندر الأخضر صديق البيئة
(المجموعة الكاملة)
swfw
test
 
test video
اسأل خبيرا
بوغوص غوكاسيان
تحويل النفايات العضوية إلى سماد - كومبوست
كيف تكون صديقا للبيئة
مقاطع مصورة
 
احدث المنشورات
البيئة العربية 9: التنمية المستدامة في مناخ عربي متغيّر - تقرير أفد 2016
 
 
 
ان جميع مقالات ونصوص "البيئة والتنمية" تخضع لرخصة الحقوق الفكرية الخاصة بـ "المنشورات التقنية". يتوجب نسب المقال الى "البيئة والتنمية" . يحظر استخدام النصوص لأية غايات تجارية . يُحظر القيام بأي تعديل أو تحوير أو تغيير في النص الأصلي. لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر يرجى الاتصال بادارة المجلة
©. All rights reserved, Al-Bia Wal-Tanmia and Technical Publications. Proper reference should appear with any contents used or quoted. No parts of the contents may be reproduced in any form by any electronic or mechanical means without permission. Use for commercial purposes should be licensed.