Wednesday 18 May 2022 |
AE2022
 
KFAS Sukleen-Averda
Environment and development AL-BIA WAL-TANMIA Leading Arabic Environment Magazine
المجلة البيئية العربية الاولى
 
 
مقالات
 
نداء هلال (واشنطن) زراعة عمودية لمدن المستقبل  
كانون الثاني - شباط/ يناير-فبراير 2012 / عدد 166-167
عندما تضيق مساحة الأرض في مدينة مزدحمة، لا بد من البناء إلى أعلى. البناء العمودي هو سنّة المدن لكي تتمكن من استيعاب الأعداد المتزايدة من الناس والمنازل والمكاتب والمتاجر. ومع توقع ارتفاع عدد سكان العالم إلى أكثر من 9 بلايين بحلول سنة 2050، من الضروري زيادة إنتاج الغذاء لتلبية حاجاتهم الغذائية، وذلك عبر زيادة المحاصيل وتوسيع المساحة المزروعة.
لكن الأراضي الإضافية المتاحة للزراعة موزعة بشكل غير منتظم، وكثير منها مناسب لزراعة محاصيل محدودة. لذلك كان لا بد من الزراعة العمودية، التي تقتضي بناء «ناطحات سحاب» تحتل طبقاتها بساتين وحقول تنتج المحاصيل على مدار السنة في مدن حول العالم. وهذه الفكرة ليست جديدة، بل تعود إلى زمن حدائق بابل المعلقة التي بنيت في القرن السادس قبل الميلاد.
 
فوائد بيئية
إضافة إلى استحداث مزيد من الأراضي الزراعية، تخفض المزارع العمودية في المدن نفقات نقل المنتجات الغذائية، وانبعاثات ثاني أوكسيد الكربون المرتبطة بذلك، وتحفظ جودة المنتجات المهددة بالتلف أثناء نقلها مسافات بعيدة. ويمكن تقليل استعمال مبيدات الحشرات والأعشاب والفطريات إلى حدود دنيا بسبب إمكان التحكم بالبيئة الداخلية في المباني الزراعية. ولا خوف من انجراف التربة، لأن النباتات تنمو في وسط مائي، أي في محلول من المغذيات الذائبة في الماء. ويعاد تدوير هذه المياه، ما يجنب هدر كميات كبيرة من مياه الري والمغذيات، كما يحصل في الزراعة التقليدية، ويلغي الحاجة إلى تصريف المياه الزراعية. وبات ممكناً الآن تكييف درجة الحرارة والرطوبة والإضاءة وتدفق الهواء وإضافة المغذيات، للحصول على أفضل إنتاجية من النباتات طوال السنة في أي مكان من العالم.
وتتيح تكنولوجيا الزراعة المائية زراعة أي نوع من النباتات تقريباً في مياه غنية بالمغذيات، من المحاصيل الجذرية مثل الفجل والبطاطا الى الفاكهة مثل البطيخ وحتى الحبوب مثل الذرة. ثمة طرق عدة للقيام بذلك، لكن الزراعة المائية تقوم أساساً على تعليق النباتات في وسط مثل الحصى أو الصوف أو الزجاج البركاني المعروف بالبرليت، وتغطيس الجذور في محلول من المياه الغنية بالمغذيات. ويؤمّن تدفق الهواء بشكل مستمر حاجة النباتات من ثاني أوكسيد الكربون. وأي مغذيات ومياه لا تمتصها الجذور يمكن إعادة تدويرها، بدلاً من ضياعها داخل التربة.
لكن الإنارة الاصطناعية بالتيار الكهربائي تجعل الزراعة داخل الأبنية عالية الكلفة. فضوء الشمس الطبيعي خلال النهار غير كاف، ومن دون إضاءة اصطناعية لا ينتظم الإنتاج الزراعي، لأن النباتات الأقرب إلى النوافذ تتعرض لضوء أكثر وتنمو بشكل أسرع. والواقع أنه، حتى في البيوت الزجاجية المكونة من طبقة واحدة، لا بد من الإضاءة الاصطناعية لإنتاج المحاصيل طوال السنة.
 
معها أو ضدها؟
مشروع Thanet Earth للزراعة العامودية، الذي افتتح في كنت عام 2008، هو أكبر موقع من نوعه في بريطانيا، إذ يمتد على مساحة 90 هكتاراً وينتج 15 في المئة من محصول الخس البريطاني. وفيه محطة طاقة صغيرة لإمداد نباتاته بالضوء مدة 15 ساعة في اليوم خلال أشهر الشتاء. وهذا يناقض فكرة أن الزراعة العمودية تقتصد بالطاقة وتخفض الانبعاثات الكربونية، بحسب بيتر هيد، وهو رائد عالمي في التخطيط والتنمية المستدامة في الشركة الهندسية البريطانية «أروب». وقد أجرى دراسات عدة حول هذه الفكرة، ووجد أن الزراعة العمودية تحتاج الى طاقة متجددة رخيصة الثمن اذا أريد لها النجاح.
بين عامي 2006 و2009، رسا «زورق العلوم» المكون من دفيئات عائمة للزراعة المائية في نيويورك، قبل أن ينتقل الى مدينة يونكرز. وقد استهلك عُشر كمية المياه التي تستهلكها مزرعة معادلة. ولم يحدث على متنه أي جريان للمياه الزراعية، وتم استبدال المبيدات الكيميائية بمفترسات طبيعية للآفات مثل الدعسوقة (أم علي). هذا الزورق الذي يعمل على مدار السنة، بامكانه انتاج 20 ضعف ما ينتجه حقل ذو مساحة مماثلة. وعلى سطحه لاقطات شمسية وتوربينات رياح، ما يعني أن بامكانه انتاج الغذاء بانبعاثات كربونية تقارب الصفر. لكن الدفيئات الموجودة عليه تعلو طبقة واحدة فقط، لذلك لم تكن هناك حاجة كبيرة للاضاءة الاصطناعية.
ويرى هيد أن الفرصة الفورية قد تكون الاستفادة من المساحة المتاحة على سطوح الأبنية في المدن لممارسة الزراعة المدينية بدلاً من الزراعة العمودية. وفي هذا المجال، قامت شركة «برايت فارمز سيستمز»، بالتعاون مع شركة «غوثام غرينز»، المنبثقة من «زورق العلوم»، باستحداث أول مزرعة مائية مدينية تجارية في العالم في نيويورك. وقد افتتحت هذه المزرعة، المقامة على سطح مبنى مساحته 1400 متر مربع، خلال صيف 2011، بهدف إنتاج 30 طناً من الخضار سنوياً.
في هذه الأثناء، ابتكرت شركة «فالسنت» للزراعة العمودية نظام Verti Crop الذي يضمن تلقي النباتات ضوء الشمس وتدفق الهواء بانتظام عبر صَـوان (أطباق) للزراعة المائية مرصوفة عمودياً على سكك متحركة. وقد تم تصميم هذا النظام لدفيئات مكونة من طبقة واحدة، حيث تستقبل النباتات الضوء من الأعلى ومن الجوانب، ولذلك قد لا تكون مناسبة للزراعة العمودية.
 
cadre
Agropolis نموذج للزراعة المدينية
 
قدمت الدنمارك نموذجاً قد ينقل الزراعة المدينية باتجاه آخر. فقد أطلقت، بالتعاون مع وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، فكرة «المدينة الزراعية» (Agropolis) التي تجمع بين متجر ومطعم ومزرعة في مبنى واحد يعتمد التقنيات الأكثر تقدماً في الزراعة المائية والهوائية. ومع أن هذه المدينة الزراعية ما زالت مجرد فكرة تدعمها بعض الرسوم البيانية، لكنها حفزت موجة جديدة من التفكير في النظم الغذائية المدينية.
يرى مبتكرو فكرة المدينة الزراعية أن هذا الجيل الجديد من المتاجر سوف يشكل نظاماً إيكولوجياً متوازناً قائماً بذاته، ليس مجرد ابتكار صديق للبيئة ومستدام، إنما وسيلة لإنتاج الغذاء الطازج. لكن ما هي الحلول العلمية التي يقدمها؟
وفق رؤية المدينة الزراعية، يتجول الزبون داخل متجر تغطيه النباتات. فالخضار تنمو على الجدران. وتحت الأرضية يمكن مشاهدة الأسماك تسبح بانسجام مع نباتات تنمو في نظام مائي. وبإمكان الزائر أن يشتري فواكه وخضاراً قطفت للتو أمامه. وميزة هذه المدينة الزراعية أن كل الطعام الذي يؤكل أو يشترى يتنقل مسافة «صفر كيلومتر» من المزرعة الى المتجر.
وهناك ميزة أخرى للمدينة الزراعية هي عدم اعتمادها على الأراضي الزراعية. وهذا يكتسب أهمية خاصة في المنطقة العربية مثلاً.
 
cadre
حدائق بابل المعلقة هل كانت موجودة؟
كانت الحدائق المعلقة في بابل من العجائب السبع في العالم القديم، ومع ذلك لم يجزم أحد بوجودها. لكن طريقتي بنائها وصيانتها بقيتا لغزاً. ويؤكد مؤرخون أن حفريات حديثة في أنقاض مدينة بابل القديمة، على بعد نحو 80 كيلومتراً جنوب غرب بغداد، كشفت أن الحدائق لم تكن معلقة في الواقع، بل كانت تقع على سطح مبنى مرتفع. وقد افتُرض أن النباتات التي غطت الحدائق على السطح كانت تضم أنواعاً متعرشة طويلة الى حد تغطية جدران المبنى، ما أعطى انطباعاً بأن النباتات «معلقة» في الهواء. وكانت الحدائق تضم كذلك أنواعاً نباتية وحيوانية دخيلة جيء بها من بلدان بعيدة.
أو اللاتينية Pencilisوالواقع أن تسمية «الحدائق المعلقة» أتت من خطأ في ترجمة الكلمة الإغريقية Kremastosاللتين تعنيان ليس مجرد «التعليق» وإنما «البروز» كما في حالة مصطبة أو شرفة.
ومن أسرار هذه الحدائق طريقة ري النباتات. فبابل تقع وسط صحراء. ويعتقد علماء الآثار أنه تم تصميم نظام لضخ المياه تستخدم فيه دلاء تحركها بكرات في ما يشبه حزام النقل (belt conveyor) المستخدم حالياً في المصانع. ولم يعثر على شيء كهذا وإنما على أدلة تتوافق مع هذه النظرية.
كذلك، ما زالت قيد الدرس كيفية المحافظة على سلامة أساسات الحدائق. فالمبنى كان مشيداً بالقرميد المشوي، ما اقتضى جريان المياه اللازمة للحفاظ على حياة النباتات نزولاً داخل مصارف كي لا تبلل القرميد وتؤدي الى انهيار السطح بكامله. وقيل ان الحدائق كانت قائمة على مصاطب مدرجة على مستويات متعددة. وبالتأكيد، كان لا بد من وجود مصرف لكل مصطبة يتناسب مع مستواها.
لكن من أمر ببناء هذه الحدائق؟ تفيد الرواية أنه ملك بابل نبوخذنَصَّر الثاني في القرن السادس قبل الميلاد، تلبية لرغبة زوجته أميتيس التي اشتاقت إلى حدائق منزلها الوالدي. أثناء حكمه، فتحت بابل تقريباً كل العالم المعروف حينذاك وسيطرت عليه، واستفاد نبوخذنصر من الفتوحات لتزويد حدائقه بزخارف جعلتها من عجائب الدنيا السبع. ووصفها المؤرخان الإغريقيان سترابو وفيلو على النحو الآتي: «الحديقة رباعية الشكل، طول كل جانب منها 120 متراً، وارتفاعها 24 متراً. تتكون من قناطر قائمة على أساسات مكعبة الشكل. يتم الصعود الى السطوح العليا المحتوية على المصاطب بواسطة سلم... وتحتوي الحديقة على نباتات يُعتنى بها فوق مستوى سطح الأرض، فيما تمتد جذور الأشجار في المصطبة العليا لا في الأرض. وتدعم الكتلة كلها أعمدة من حجارة... وتجري جداول المياه الآتية من مصادر مرتفعة نزولاً في قنوات منحدرة... هذه المياه تسقي الحديقة كلها راوية جذور النباتات ومحافظة على رطوبة المنطقة. لذلك فإن العشب دائم الخضرة وأوراق الأشجار نضرة تحملها أغصان غضة... هذا عمل فني ينم عن ترف ملكي، وميزته الأكثر إثارة للدهشة هي تدلي الجنائن فوق رؤوس الحاضرين».
 
لعل تلك الحدائق المعلقة وجدت فعلاً، باعتبار أن كثيرين وصفوها، وأن نظام ريها كان استثنائياً ومبتكراً في ظل المناخ الصحراوي ومحدودية قدرات البابليين القدماء.

 
 
 
 

اضف تعليق
*الاسم الكامل  
*التعليق  
CAPTCHA IMAGE
*أدخل الرمز  
   
عماد سعد (برلين) الأسبوع الأخضر
 
بندر الأخضر صديق البيئة
(المجموعة الكاملة)
البيئة والتنمية
 
اسأل خبيرا
بوغوص غوكاسيان
تحويل النفايات العضوية إلى سماد - كومبوست
كيف تكون صديقا للبيئة
مقاطع مصورة
 
احدث المنشورات
البيئة العربية 9: التنمية المستدامة - تقرير أفد 2016
 
 
 
ان جميع مقالات ونصوص "البيئة والتنمية" تخضع لرخصة الحقوق الفكرية الخاصة بـ "المنشورات التقنية". يتوجب نسب المقال الى "البيئة والتنمية" . يحظر استخدام النصوص لأية غايات تجارية . يُحظر القيام بأي تعديل أو تحوير أو تغيير في النص الأصلي. لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر يرجى الاتصال بادارة المجلة
©. All rights reserved, Al-Bia Wal-Tanmia and Technical Publications. Proper reference should appear with any contents used or quoted. No parts of the contents may be reproduced in any form by any electronic or mechanical means without permission. Use for commercial purposes should be licensed.