Thursday 21 Oct 2021 |
AE2016
 
KFAS Sukleen-Averda
Environment and development AL-BIA WAL-TANMIA Leading Arabic Environment Magazine
المجلة البيئية العربية الاولى
 
 
مقالات
 
رجب سعد السيّد ألكسندر فون همبولدت أبو علوم البيئة  
حزيران / يونيو 2017 / عدد 231
منذ حوالى قرن ونصف القرن من الزمن، وبالتحديد في 14 أيلول (سبتمبر) من العام 1869، إحتفل العالم بمرور 100 سنة على مولد عالِم حظي بتبجيل وحب الناس في عصره. وكان الاحتفال، أو الاحتفالات، غير مسبوقة نوعاً وكمّاً، وجرت في بوينس أيريس ومكسيكو سيتي وموسكو وملبورن والعديد من المدن الأميركية في وقت واحد، واحتشد نحو 25 ألف شخص في حديقة سنترال بارك النيويوركية ليشهدوا إزاحة الستار عن تمثال تذكاري لهذا العالِم، ويشاركوا في مسيرة بالمشاعل في شوارع المدينة. أما في برلين، مسقط رأسه، فقد أغلِقت المكاتب في ذلك اليوم، ولم تمنع الأمطار الغزيرة 80 ألف ألماني من الخروج للاحتفال بتلك المناسبة.
 
فمن هو هذا العالِم؟ لعلك لم تسمع اسمه من قبل: ألكسندر فون همبولدت. ولا غرابة في ذلك، فقد ظلّ الرجل لنحو مئة وخمسين عاماًة في طيِّ النسيان. وربما كانت جنسيته الألمانية هي سبب تجاهله في العالم الذي تغلب عليه اللغة الإنجليزية. وقد يكون السبب أيضاً عدم وجود نظرية علمية بعينها، أو معادلة محددة تحمل اسمه، وإنما يُنسب إليه مفهوم علمي غير مسبوق، مقبول في نطاق واسع من المجتمع العلمي، ويمكن القول بأنه أبو علوم البيئة، فهو أول من جاء بمفهوم النظم البيئية وقال بأن كل الأشياء على سطح الأرض، من أحياء وغير أحياء، مترابطة في شبكة من العلاقات المتعددة. ولعلنا نلاحظ الآن أن أي تقرير عن الطقس في إقليم ما، لا يكون مكتملاً إلا بوجود خريطة لتوزيع درجات الحرارة في نطاق هذا الإقليم. وكان همبولت صاحب هذه الفكرة التي تعمل بأسلوب مختلف عن قوائم البيانات العددية، حيث توضحُ خطوطُ التحارُر (isotherms) المناطق التي تسودها درجات حرارة محددة، الأمر الذي يسهل علينا الإحاطة بمسبباتها وآثارها، فنستطيع الربط بين ارتفاعات تلك المناطق عن مستوى سطح البحر وطبيعة الأرض، وعلاقات أخرى مثل تلك التي تربط بين الرياح والتيارات البحرية، حتى تصل بنا إلى أشكال الحياة التي تستوطن تلك المناطق، فيتجسد أمامنا كوكبنا ككيان كلّي واحد يتألف من أنظمة متداخلة. ولقد كان ذلك هو جوهر رؤية همبولدت.
 
ومن الآثار التي تركها لنا همبولدت، مخطوط يمكن ترجمة عنوانه (Naturgemälde) برسومات الطبيعة. وهي أشكال علمية توضيحية، تجد بينها شكلاً لبركان تشيمبورازو، وهو أعلى قمة في جبال الإنديز في نطاق الإكوادور، والمعتقد أن آخر إندلاع له حدث في وقت ما من الألفية الميلادية الأولى، وقد قام همبولدت بتسلقه ليعاينه بنفسه. واهتم بإظهار مناطق توزيع الحياة النباتية والحيوانية على منحدرات البركان، مرفقاً بها بيانات عن درجة الحرارة والضغط الجوي ونسبة الرطوبة، مما يؤكد مفهومه عن الرؤية الشاملة للأنظمة البيئية، وارتباط توزيع الأنواع المختلفة من الكائنات الحية بارتفاع موائلها عن مستوى سطح البحر، ووفقاً للعوامل الفيزيقية بالمنطقة.
 
وقد عرف عن همبولدت توخي الدقة في عمله، واعتماده على القياسات مستخدماً أفضل المتوفر في عصره من تقانيات رصد درجات الحرارة والرطوبة وشدّة المجال المغناطيسي وتفحص الصخور والتربة، وغير ذلك من مكونات الأنظمة البيئية التي عالجها وربط بينها، ليظهر علاقات الاعتماد المتبادل في عالم الطبيعة. ويذهب بعض من عاصروه في تفسير شغفه بأن يرى ويشم ويحس بهذه المكونات، ورغبته الشديدة في اكتناه كل جوانب العالم الطبيعي، إلى تأثره بروح الرومانسية الألمانية التي سادت زمنه، فلم يكن يرى تعارضاً بين موضوعية يقتضيها القياس العلمي الرصين، وذاتية الرضى التام بالاستجابات العاطفية، بل والانسياق وراءها. وكان في ذلك متسقاً مع ما تفرضه ظروف انشغالاته العلمية التي تستغرقه لبعض الوقت في غابة رطبة كثيفة، ثم تنتقل به لوقت آخر على منحدر بركان. ولعل هذه السمات في شخصية همبولدت هي سر ما تمتع به من قبول بين الناس، الذين أقبلوا على كتاباته، وخاصة تلك التي يدعو فيها الشباب الأوروبي والأميركي إلى إطلاق العنان لخيالهم، والتحلي بروح المغامرة، مهما كانت معاناتهم من الحرمان، على نحو ما ورد في كتابه الذي حقق رواجاً كبيراً، وكان بعنان: "سردية شخصية عن رحلات إلى المناطق الاستوائية في القارة الجديدة، في الفترة من 1799 إلى 1804".
 
وتؤكد بعض الكتابات على أن تشارلز داروين، الذي عاصر في شبابه نشاط همبولدت العلمي، قد تأثر بكتاباته عن رحلاته الاستكشافية، ومنها الرحلتان الرئيستان: الأولى إلى فنزويلا وكولومبيا وبيرو وكوبا والمكسيك، وامتدت من 1799 إلى 1804، والثانية إلى روسيا، عام 1829. وكانت نتائج الرحلة الأولى هي التي صنعت همبولدت، وقدمت للعالم تصوراته المستحدثة عن الأنظمة البيئية. وكانت القارة الأمريكية الجنوبية في بداية القرن التاسع عشر تتكون من مستعمرات أسبانية، ولم يفت همبولدت رصد هذه الأحوال بأسلوبه الفريد الذي يمزج الموضوعية بالمشاعر، واهتم بتسجيل إحصائيات عن إنتاج تلك المستعمرات ومدخولاتها وأحوالها الاجتماعية. وأشار في كتاباته إلى وحشية وكارثية الاستعمار الأسباني، ونشرها في كتابه "مقال سياسي عن مملكة أسبانيا الجديدة". وكان لموقف همبولدت أثره الملموس في إحداث تغير سياسي في المنطقة، وساعد في الضغوط التي انتهت بتحرير مستعمرات الأميركيتين الوسطى والجنوبية. ولما رأى الإنجليز ذلك لم يسمحوا له بالسفر إلى الهند، وكان يرغب في استكشاف أنظمتها البيئية وتجميع أدلة تؤكد استنتاجاته البيئية العامة التي تحصَّل عليها من عمله في أميركا الجنوبية.
 
وذاع صيتُ همبولدت لعدة عقود، وكانت أعماله وأفكاره مصدر إلهام للكثيرين، وهي التي أوحت بفكرة المنتزهات الوطنية المنتشرة الآن في جميع أنحاء العالم. وكان يلقي محاضرات عامة في برلين تحضرها جماهير غفيرة من كل النوعيات والطبقات. وكانت تلك المحاضرات الأساس لكتابه الرائع الذي خطط له ليكون في خمسة أجزاء، وعكف عليه حتى وفاته، وكان قد اختار له اسم الأكوان (Cosmos)، وتعني باليونانية الجمال والنظام.
 
لقد استحق ألكسندر فون همبولدت عن جدارة حفاوة معاصريه به، ويستحق أن يُنفض عنه تراب النسيان والإهمال، فعالِم مثله هدته بصيرتُه في العام 1830 إلى إدراج إزالة الغابات، وما يتخلف عن الصناعة من كميات ضخمة من البخار والغازات، في قائمة المشاكل الخطيرة التي تواجه الحياة على سطح الأرض، ليستحق التحية في كل وقت.
 
 
 
 
 
 

اضف تعليق
*الاسم الكامل  
*التعليق  
CAPTCHA IMAGE
*أدخل الرمز  
   
 
بندر الأخضر صديق البيئة
(المجموعة الكاملة)
swfw
test
 
test video
اسأل خبيرا
بوغوص غوكاسيان
تحويل النفايات العضوية إلى سماد - كومبوست
كيف تكون صديقا للبيئة
مقاطع مصورة
 
احدث المنشورات
البيئة العربية 9: التنمية المستدامة في مناخ عربي متغيّر - تقرير أفد 2016
 
 
 
ان جميع مقالات ونصوص "البيئة والتنمية" تخضع لرخصة الحقوق الفكرية الخاصة بـ "المنشورات التقنية". يتوجب نسب المقال الى "البيئة والتنمية" . يحظر استخدام النصوص لأية غايات تجارية . يُحظر القيام بأي تعديل أو تحوير أو تغيير في النص الأصلي. لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر يرجى الاتصال بادارة المجلة
©. All rights reserved, Al-Bia Wal-Tanmia and Technical Publications. Proper reference should appear with any contents used or quoted. No parts of the contents may be reproduced in any form by any electronic or mechanical means without permission. Use for commercial purposes should be licensed.