Thursday 06 Oct 2022 |
AFED2022
 
AFEDAnnualReports
Environment and development AL-BIA WAL-TANMIA Leading Arabic Environment Magazine
المجلة البيئية العربية الاولى
 
 
موضوع الغلاف
 
"البيئة والتنمية" التلوث الكيميائي لا يعرف حدوداً  
أيار - حزيران 1998 / عدد 12
 عندما ترتشف شراباً بارداً عشية يوم صيفي حار ورطب، تلاحظ الماء الذي يشكل غشاوة على الجزء الخارجي من الزجاجة. فالشراب يبرّد الزجاجة التي تبرّد بدورها الهواء المحيط بها فيفقد بعض قدرته على الاحتفاظ ببخار الماء. ويتكثف الماء الزائد كالندى على الزجاجة. وتلاحَظ ظاهرة مماثلة عندما يتشكل الضباب على النظارات في فصل الشتاء أثناء انتقال المرء من جو جاف بارد في الخارج الى مبنى دافئ رطب. وهذه الظاهرة مسؤولة أيضاً عن التبريد في الثلاجات، والجليد الذي يتكون على الطائرات، والندى الذي يغطي العشب في الصباح.
لكن هذه الظاهرة لا تنحصر بالماء. فهناك ظاهرة مماثلة تحدث على نطاق عالمي لبعض الملوثات، مثل ثنائيات الفينيل المتعددة الكلور (PCBs) والمبيدات الحشرية كالـ«د.د.ت.» واللندين والتوكسافين. وهذه مواد كيميائية باقية لا تتحلل في البيئة الا ببطء شديد. كما أنها شبه متطايرة أي تتبخر ببطء. وتستعمل هذه المواد أو تصرف عادة في مناطق آهلة بالسكان في مناخات معتدلة أو استوائية، فتدخل التربة والنباتات والأجسام المائية التي يمكن أن تتطاير منها. وهي في بعض الحالات موجودة في الانبعاثات الهوائية.
تنتقل هذه المواد بواسطة الرياح في حالة غازية الى أن تواجه درجات حرارة باردة. وعندئذ تتكثف إما مباشرة على سطح الأرض واما على الجسيمات الصلبة في الهواء (ايروسول) التي تتساقط بعد ذلك خصوصاً مع المطر والثلج. فيكون التأثير الصافي هو التبخر في المناطق الدافئة القريبة من خط الاستواء والترسب في المناطق الباردة البعيدة عن خط الاستواء. لذلك هناك انتقال مستمر للملوثات في الغلاف الجوي العالمي نحو القطبين، في عملية ضخمة تشبه التقطير.
وهذه العملية ليست في اتجاه واحد، اذ ان المواد الكيميائية تتبخر وتترسب في درجات حرارة منخفضة أو مرتفعة. وانتقال الهواء نحو القطبين يعادل انتقال الهواء نحو خط الاستواء، كما أن التيارات الجوية تحمل المواد الكيميائية في كلا الاتجاهين. ولكن بما أن درجات الحرارة المنخفضة تسهل الترسب، فتكون الحصيلة انتقال الملوثات من السطح الى الجو في المناطق القريبة من خط الاستواء، ومن الجو الى السطح في المناطق البعيدة عنه.
رحلة السموم
تزداد مستويات الملوثات في المناطق القطبية الباردة والمظلمة، حيث للمواد الكيميائية قابلية أقل للتحلل مما في المناطق الأدفأ والأكثر تعرضاً لأشعة الشمس. والنتيجة هي أن هذه الملوثات موجودة بتركيزات عالية تبعث على الدهشة في الانظمة الايكولوجية الباردة التي لم تستعمل فيها على الاطلاق. وقد عثر على أعلى تركيزات بحرية للمبيدين HCH- a وتوكسافين في المحيط المتجمد الشمالي. وأثناء وجود الملوثات في هذه الانظمة الايكولوجية، تدخل الى السلاسل الغذائية وتتجمع في أجسام الاسماك والطيور والثدييات البحرية، وفي البشر الذين يستهلكونها.
ورحلة المواد الكيميائية من المناطق الاستوائية الى المناطق القطبية يمكن أن تستمر في خطوات لا تحصى، وهذا ما يسمى «أثر الجندب» (grasshopper effect) وقد تتخللها منعطفات معقدة ومسارات تراجعية. وقد تستغرق الرحلة عقوداً حتى يتسنى للمادة الكيميائية أن تتحلل في النهاية او تبقى بصورة دائمة. فبعض جزيئات الـ«د.د.ت.» التي رشت في الخمسينات ربما لا تزال تتحرك اليوم عبر بيئة العالم. وملاحظة اختلاف التركيزات في الجو بين فصلي الصيف والشتاء توحي بأن المواد الكيميائية تميل الى التبخر صيفاً والترسب شتاء.
وفي الجو أيضاً بعض المواد الكيميائية غير المتطايرة المرتبطة كلياً بجسيمات الايروسول. وعندما تترسب لا يمكنها العودة الى الجو الا في ظروف خاصة، مثل حدوث عاصفة رملية. وهذه أيضاً يمكن أن تصل الى مناطق قطبية نائية، بشرط أن تسهل الظروف المناخية انتقالها نحو القطب، لأن عليها أن تقوم بالرحلة الطويلة في «قفزة» واحدة. ويقتضي ذلك انتقالاً سريعاً من مناطق وسطى ومن دون تساقط. وتسهل الأنظمة المستقرة ذات الضغط العالي فوق سيبيريا انتقال الكتل الهوائية بفعالية من أوروبا الشرقية الى منطقة القطب الشمالي. وهذا ما يثبته ظهور غشاوة ضبابية وتلوثات جسيمية في القطب الشمالي خلال فصل الشتاء. ويحدث الانتقال في رحلة مختصرة خلال أيام أو أسابيع قليلة.
المنطقة القطبية مكب نفايات
لعملية التقطير العالمية مقومات دقيقة أخرى. ويبدو أن اجتماع خصائص محددة يجعل مادة كيميائية ما عرضة للتكثف في الأنظمة الايكولوجية الباردة المناخ. وبعض المواد غير متطايرة مما يمنعها من القيام بالرحلة (الا بقفزة واحدة)، والبعض الآخر يهاجر الى القطبين ولكنه متطاير الى حد يمنعه من التكثف هناك. فثمة نوع من التقطير التجزيئي العالمي الذي يفعل فعله بالطريقة نفسها التي تتولى بها مصفاة نفط تجزئة النفط الخام الى بنزين وديزل ومشتقات أخرى.
ويبدو أن لكل مادة كيميائية درجة حرارة تبدأ عندها بالتكثف ومنطقة مناخية محددة تترسب وتتجمع فيها بشكل أفضل. وقد أسفرت محاولات وضع نماذج كومبيوترية لهذه الظاهرة عن فرضية تقول بوجود تقطير تجزيئي بحسب البعد عن خط الاستواء، أي ان المواد الكيميائية تختلف في المسافة التي يمكنها أن تقطعها نحو القطبين. وهذا ما أثبته مؤخراً تحليل مركبات الـ «PCB» في رواسب البحيرات.
قد يرى البعض من الأفضل أن تترك هذه الملوثات تنتقل وتتكثف في مناطق نائية حيث يعيش قليل من الناس، بدلاً من أن تمكث وتتجمع في مناطق مكتظة بالسكان حيث تستعمل وحيث يحتمل أن يتعرض لها الكثير من الناس. ولكن هل من المناسب جعل المناطق القطبية النائية مكبات للمواد الكيميائية الخطرة؟ ألا يجدر أن تبقى على الأرض بيئات طبيعية غير مشوهة بفضلات الجنس البشري؟ وهل من العدل ان يعاني سكان المناطق القطبية من مخاطر المواد الكيميائية التي يستفيد منها سكان المناخات الدافئة؟
الأمر ليس مجرد مسألة أخلاق بيئية. فالمواد الكيميائية قد تشكل مخاطر أكبر في منطقة القطب الشمالي منها في أماكن اخرى، لأن الناس في الشمال يعتمدون في مأكلهم الى حد كبير جداً على الحيوانات التي يصطادونها. وقد تبين أن حليب الأمهات في بعض مناطق غرينلند والقسم القطبي من كندا يحوي كمية من الـ«BCP» تزيد أضعافاً على ما يحويه حليب الأمهات في مناطق صناعية قريبة من خط الاستواء.
ان الخلاف هنا ليس بين الشمال والجنوب أو بين الغني والفقير. فالمجتمع العالمي بأسره سيكون المستفيد في حال حظر هذه الملوثات واستعمال بدائل أكثر رفقاً من شأنها أن تتحلل ولا تكون عرضة للانتشار في أنحاء البيئة العالمية.
 
 
 
 

اضف تعليق
*الاسم الكامل  
*التعليق  
CAPTCHA IMAGE
*أدخل الرمز  
   
 
بندر الأخضر صديق البيئة
(المجموعة الكاملة)
البيئة والتنمية
 
اسأل خبيرا
بوغوص غوكاسيان
تحويل النفايات العضوية إلى سماد - كومبوست
كيف تكون صديقا للبيئة
مقاطع مصورة
 
احدث المنشورات
البيئة العربية 9: التنمية المستدامة - تقرير أفد 2016
 
ان جميع مقالات ونصوص "البيئة والتنمية" تخضع لرخصة الحقوق الفكرية الخاصة بـ "المنشورات التقنية". يتوجب نسب المقال الى "البيئة والتنمية" . يحظر استخدام النصوص لأية غايات تجارية . يُحظر القيام بأي تعديل أو تحوير أو تغيير في النص الأصلي. لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر يرجى الاتصال بادارة المجلة
©. All rights reserved, Al-Bia Wal-Tanmia and Technical Publications. Proper reference should appear with any contents used or quoted. No parts of the contents may be reproduced in any form by any electronic or mechanical means without permission. Use for commercial purposes should be licensed.